الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
في فقه الأزمة والفتنة نواصل حديثنا ، وأسلفت غير مرة أن منبر الجمعة ينبغي أن يكون له دوره البارز ، لكن على منهجية صحيحة ، وبلغة واضحة فصيحة ، وبأسلوب منهجي حكيم ، ليس فيه مزايدات سياسية ، ولا مهاترات إعلامية، ولا مغالطات من هنا أو هناك ..
ومن هنا ؛ فإنما سأذكره أمر يفيدنا في حياتنا العامة كلها ، وفيما قد يمر بنا أفراداً من مشكلات أو معضلات ، في دوائرنا الضيقة الخاصة ، كما أنه من باب أولى يفيدنا فيما يحيط بنا كمجتمع ، وما يحيق بنا كأمةٍ ونحن نرى تكالب الأعداء من كل حدب وصوب ، وتوجّه سهامهم في كل ميدان ومجال ، وحصول كثير من الأمور المؤلمة المحزنة سواء ما كان ذلك مادياً محسوساً بانتهاك العرض ، أو استلاب الأرض ، أو احتلالها ، أو غير ذلك .. أو ما كان معنوياً فيما تعلق باختراق الأفكار ، وإثارة الشائعات ، وكثرة الشبهات ، ونحو ذلك فلعلنا في أضواء كتاب ربنا ، وفي ضلال سنه نبينا صلى الله عليه وسلم ، وعلى أرضية تاريخنا المشرق والوضيء ، ومن خلال واقعنا الذي نتأ مله بكل هذه المعاني والمعالم أن نتلمح طريقناً ، واضحاً ، نافعاً ، مفيداً ، بإذن الله عز وجل .
أولاً: التثبت والتبيين
فهذا معلم واضحاً في منهج الإسلام لا ينبغي تعجل لا تستجلي في الحقيقة ولا رد فعل تغيب فيه الإثباتات في أي أمر من الأمور صغيرها وكبيرها .. { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } .
وكم من خبرٍ في أمورنا الخاصة وحياتنا الشخصية تلقيناه دون تمحيص ورمينا آخرين بتهم وجزلنا بوقوعهم في الخطاء ثم تبين من بعد أننا لم نعي ما سمعنا ، وأننا تجاوبنا مع عواطفنا ومشاعرنا دون أن نتثبت على وفق المنهج القرآني .. { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } .
وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عند البخاري في الأدب المفرد: ( بئس مطية الرجل زعموا ) ، تسأله ما حجتك في ذلك:"سمعتهم يقولون"..
وكالة يقولون وكالة مذمومة في كتاب الله عز وجل { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله } .
وتلك فدية عظيمة من لم يكن في كل أمره متثبتاً متبيناً ؛ فإنه يوشك أن تكون حالته دائماً أنه صحيفة لكل من شاء أن يكتب فيها خبراً صادقاً أو كاتباً قضيةً صائبةً أو خاطئة فهو حينئذٍ كما وصف الله - عز وجل - أهل النفاق
والذين في قلوبهم مرض إذ تلقونه بألسنتكم .
فهم يتلقون بآذانهم وأسماعهم ، لكنهم يمرون ذلك على عقولهم ، ولا على مناهج التثبت والتمحيص فينطقون به بألسنتهم ..
ولعل حادثة الإفك وهي شأن لم يكن خاصاً برسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - بل عمّ مجتمع المسلمين وكان حدثً من أشد ما مر بهم من الفتنة ، والأزمة ، وشيوع الشائعات ،وكثرة القالات .
ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: وأي شيء فعل
مما روته عائشة كما في صحيح مسلم مواقف وغمضات ، قالت: جاء إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أما بعد يا عائشة ؛ فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله - عز وجل - وإن كنتِ ألممت بذنب فاستغفر الله وتوبي إليه ؛ فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه .
رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عائشة يسألها ويستثبت منها ، والأمر كان جد عصيب ، ولم يكن في نفسه - عليه الصلاة والسلام - شك وريبة لكن الأمر وقد تعلق به أراد أن يقطع قطعاً جازماً ، وأن يبين بياناً يخرس الألسنة ، ثم كان له من بعد - عليه الصلاة والسلام - مواقف أخرى ، وأسئلة من هنا وهناك ، ثم رقى المنبر وقال: من يعذرني من رجل تكلم في أهلي ، حتى اختلف الحيان من الأوس والخزرج فسكنّهم وأسكتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تنزلت البراءة من فوق سبع سماوات جازمةً ، قاطعةً ، ناصعةً ، شاهدةً ، ببراءة الصديقة بنت الصديق - رضي الله عنها - وليس المقام مقام إفاضة وإنما أريد أن نأخذ هذه القضايا في أصولها وفي عناوينها ودلالاتها فحسب .
ثانياً: العدل والإنصاف
وما أدراك ما العدل والإنصاف أمر عزيز ، ثقيل ، لا تطيقه إلا النفوس المؤمنة الخالصة ، المخلصة ، إذ في النفوس من الأهواء ، ومن شوائب البغضاء والعداء ، ما يحملها على ظلم من تخالفه بل على الظلم أحياناً بصورة عامة إذا كانت تريد تحصيلاً لمصلحتها أو تحقيقاً لمنفعتها
والله - جلّ وعلا - يقرر تقريراً عظيماً في هذا الدين { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى } ، ذلك هو أمر الله بالعدل على إطلاقه في كل حال ، ومع كل أحد ، وتحت كل ظرف ، فإن العدل قيمة مطلقة وهو من أسس هذا الدين ، ومن أخلاقه العظيمة ، ومبادئه الرائعة البديعة ، ومن هنا جاء قول الحق سبحانه وتعالى: { ولا يجرمنكم شنئآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } .