ولكن أهل الحضارة المعاصرة أعرضوا عن ذلك ، ولم ينسبوا الفضل إلى الله تعالى فيما أعطوا من العلوم والمعارف ، وما ملكوا من أسباب القوة والهيمنة ، بل نسبوا ذلك إلى أنفسهم وإلى تجاربهم وخبراتهم ، ولم يسخروا معارفهم وقوتهم في عبادة الله تعالى ، ورفع الظلم ، وإقامة العدل ، بل سخروها في محاربة الله تعالى ، ونشر الفساد ، وظلم العباد ، وقهر الناس والسعي في تبديل دينهم ، وإفساد فطرهم وعقائدهم وأخلاقهم ، والتسلط على بلدانهم ، ونهب ثرواتهم ، فما زادتهم علومهم وحضارتهم إلا إفسادا في الأرض ، وعلوا على الناس ، فجرت عليهم سنة الله تعالى التي جرت على أسلافهم من قبل ، وبدت بوادر هزيمتهم وإذلالهم ، وظهور المستضعفين عليهم ، وأتاهم الله تعالى من حيث لم يحتسبوا ؛ فكانت رفاهيتهم التي نتجت عن علومهم وحضارتهم سبب خورهم وضعفهم ، وعدم قدرتهم على مقارعة أعدائهم ، فكسرت شوكتهم على الملأ ، وزالت هيبتهم من القلوب ، وفضحوا شر فضيحة ، ولم تغن عنهم معارفهم وتقنياتهم شيئا.
وتلك سنة الله تعالى في أمثالهم ( فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم....
الخطبة الثانية
الحمد لله على ما هدى ، والشكر له على ما أعطى وأسدى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ، واعتبروا بأحوال الذين مضوا من قبلكم ، وأحسنوا التلقي عن كتاب ربكم.
أيها الناس: من أعظم الفتن التي يضعف أمامها أكثر البشر فتنة السلطان الغالب ، والقوة القاهرة ، التي تقود إلى البطش والظلم والأثرة ، ونجد علاج هذه الفتنة الكبيرة في القصة الرابعة من هذه السورة العظيمة ، وهي قصة ذي القرنين ، الذي ملك مشارق الأرض ومغاربها ، ودانت له الدول والممالك ، وآتاه الله تعالى من كل شيء سببا ، ومع ذلك لم يتجبر بسلطانه ، ولا استعلى على الناس بقوته ؛ بل سخر ذلك في إحقاق الحق ، وإزهاق الباطل ، وإقامة العدل ، ورفع الظلم ، ونصر المظلوم.
وثبت إيمانه وعدله ، وصلاحه وإصلاحه في قوم ظهر عليهم فملك مدينتهم ، وذلت له رقابهم ، وخيره الله تعالى فيهم ، فحكم فيهم بحكم الشريعة ( ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ، قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا ، وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ) .
وظهر تسخيره لسلطانه وقوته فيما يحبه الله تعالى ويرضاه من رفع الظلم ، ونصرة المستضعفين ، في قوم من الترك شكوا إليه إغارة يأجوج ومأجوج عليهم ، والإفساد في بلادهم ، ورجوه أن يبني حاجزا يحجزهم عنهم مقابل خراج يدفعونه إليه، فعفَّ رحمه الله تعالى عن جُعْلِهم ، وبادر إلى نجدتهم ، ورفع الظلم عنهم ، وبناء السد لهم ، معترفا بفضل الله تعالى عليه بالسلطان والمال ( قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ، قال ما مكنى فيه ربى خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما ) أي:ما أعطاني ربي من الملك والمال خير من خراجكم ، وطلب معونتهم على بناء السد فبناه لهم ، ولما أتم بناءه لم يفاخر بذلك ، أو يعلن به على الملأ ، أو يمنَّ به على القوم ؛ ليكتسب بذلك دعاية ، أو يظهر به قوة ، أو يحوز به شرفا ، أو يسجله في سجل إنجازاته ، بل نسب الفضل في ذلك لله تعالى صاحب الفضل والمنِّ ، واعترف بقدرة الله تعالى على هذا السد وتدميره في أجلٍ لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى ( قال هذا رحمة من ربى فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء وكان وعد ربى حقا) .
إن سورة الكهف قد عالجت في قصصها هذه الفتن الأربع: فتنة الشرك في قصة الفتية ، والفتنة بالمال في قصة صاحب الجنتين ، والفتنة بالعلم والمعرفة في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين ، ولو نظرنا في حال أكبر فتنة حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم وهي فتنة الدجال لوجدنا أن هذه الفتن الأربع قد اجتمعت كلها في الدجال:
فهو يفتن الناس في دينهم ، ويدعوهم إلى الشرك ، ويقهرهم عليه ، وأعطاه الله تعالى من الآيات ما يكون فتنة للناس وابتلاء:
ففي فتنة المال يمر الدجال بالخربة فتتبعه كنوزها ، ويأمر السماء فتمطر ، والأرض فتنبت.
وفي فتنة العلم يخبر الدجال الرجل عن أبيه وأمه ، ويقطع الرجل بسيفه حتى يمشي بين نصفيه ثم يدعوه فيأتي ، ويشق الرجل بمنشاره من مفرق رأسه إلى قدميه ثم يعيده بأمر الله تعالى كما كان.
وفي فتنة السلطان يعيث في الأرض فسادا ، ويسلط على الناس ، وما من بلد إلا يبلغها سلطانه خلا مكة والمدينة ، ويفر الناس إلى الجبال خوفا من سلطانه وبطشه.
فحري بمن كان من أهل سورة الكهف: قارئا لها ، متدبرا لآياتها ، عارفا بقصصها ، حافظا للآيات العشر من أولها أن يحفظ من فتنة الدجال ، فلا يغترُّ بكذبه وبهرجه ، ولا تنطلي عليه أفعاله وما سخر الله تعالى له من الآيات ، ولا يزدادُ فيه وفي فتنته إلا بصيرة على بصيرته ، وإيمانا بالله تعالى مع إيمانه.
فاعرفوا - رحمكم الله تعالى - لهذه السورة قدرها ، وتدبروا آياتها ، وانتفعوا بقصصها ، ولا سيما أنكم تكررونها في كل جمعة ، واحفظوها فإن عجزتم فاحفظوا من آياتها ما يعصمكم من فتنة الدجال ؛ فإنه شر غائب ينتظر.
وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم ...
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد
أيها المسلمون اتقوا لله حق التقوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً } الأحزاب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)الحشر1870
حين يكون الحديث عن مصادر التلقي عند المسلمين, فلا ريب أن كتاب الله العزيز, و سنة محمد r هما في مقدمة هذه المصادر..فإليهما المرجع و التحاكم { َإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } سورة النساء: 59