فهرس الكتاب

الصفحة 7876 من 9994

إننا نتلوا في هذه السورة قصة أصحاب الكهف وهم فتية آمنوا بربهم في وسط أناس مشركين ، وعلموا من حق الله تعالى عليهم ما علموا في قوم جاهلين ؛ فكان ذلك سببا لفتنتهم في دينهم ، فلم يستسلموا ، ولم يتبعوا قومهم في ضلالهم ، ولاوافقوهم على كفرهم ؛ بل أعلنوا توحيدهم لله تعالى ، كما أعلنوا براءتهم مما يعبد أهلوهم وعشيرتهم ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) .

ثم أتبعوا القول بالعمل فتبرءوا من المشركين واعتزلوهم ، وآووا إلى كهف ليعبدوا الله وحده لا شريك له ، وليفروا من الفتنة في الدين ، فكان جزاؤهم في الدنيا تلك الكرامة العظيمة التي نالتهم وهم في كهفهم ، فنجوا بها من الكفار وكيدهم ، وكانت كرامة الله تعالى لهم آية تتلى على مر العصور.

وفي التعقيب على هذه القصة العظيمة يأمر الله تعالى بصحبة الصالحين من عباده ، واصطبار النفس على ذلك ولو لم يكونوا أهل مال وثراء ودنيا ، مع مجانبة أهل الغفلة ، وأتباع الهوى الذين لا يردعهم دينهم عن هواهم ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) .

ونستفيد من ذلك أن من أسباب الثبات على الدين: صحبة الصالحين ممن ثبتوا على دينهم ولو كانوا هم الأقل والأضعف، كما فعل أصحاب الكهف ؛ إذ جانب كل واحد منهم أهله وعشيرته المشركين وهم أكثر وأقوى ، وصاحب المؤمنين وهم الأقلون المستضعفون ، وفي صحبة الصالحين من التثبيت على الدين ، والإعانة عليه ، وتحصيل الخير ما لا يعلمه إلا الله تعالى قال بعض الصالحين: من أحب أهل الخير نال بركتهم ، كلب أحب الصالحين ذكره الله تعالى في القرآن

كما نستفيد من هذا التعقيب: أن إتباع الهوى ، وطاعة أهل الغفلة عن ذكر الله تعالى سبب للفتنة في الدين ، والتحول عنه شيئا شيئا ، كما أن سبب إتباع الهوى ، وطاعة أهل الغفلة هو طلب حظ من حظوظ الدنيا . ولو أن فتية الكهف أطاعوا أهل الغفلة من قومهم ، واتبعوا أهواءهم ؛ ميلا إلى الدنيا وزخارفها لما نجوا ، ولما كان خبرهم آية تتلى.

وما أحوج المسلم في هذا الزمن الذي يموج بالفتن إلى فقه هذا الدرس العظيم من هذه القصة العجيبة ، فيثبت على دينه ولو رأى قلة الثابتين ، ويضحي بكل نفيس في سبيل ذلك ؛ فإن الثمن جنة عرضها السماوات والأرض ، وليحذر من الاغترار بالباطل وأهله مهما كانت قوتهم ، وبلغت علومهم ؛ فهم وحضارتهم إلى تباب وخسران ما لم يؤمنوا بالله تعالى وحده لا شريك له.

والمال فتنة من أكبر الفتن التي افتتن الناس بها قديما وحديثا ، وزادت الفتنة به في هذا العصر بسبب سيادة النظم الرأسمالية على أسواق المال والأعمال في العالم ؛ إذ حولته في عقول أتباعها من وسيلة ينتفع بها إلى غاية تلغى في سبيلها كل المبادئ والقيم والأخلاق. ونجد علاج هذه الفتنة في قصة صاحب الجنتين الذي أنعم الله تعالى عليه بما وصف في تلك السورة ( واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا ) ولكنه افتتن بذلك ، ونسي أمر الساعة ، وتكبر على الناس بماله ( فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ، ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة) .

فكان ثمرة افتتانه بماله ، ونتيجة علوه على الناس بسببه أن أذهب الله تعالى زهرة جنته ، وجعلها خرابا يبابا ( وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ، ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا ) .

وبعد قراءة هذه القصة العجيبة نجد أن الله تعالى قد ضرب مثلا عظيما في الدنيا ؛ بيانا لحقيقتها ، وإثباتا لزوالها ، وتحذيرا من الغرور بها ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ) ثم ذكر سبحانه الآخرة والحساب ، والكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

فمن فتن بالمال فعطل الفرائض من أجله ، وجاوز الحلال إلى الحرام في جمعه وإنفاقه ، واستعلى على الناس به ؛ فليأخذ عبرة وعظة من قصة صاحب الجنتين ، ولينعم النظر في المثل الذي ضربه الله تعالى للدنيا عقب ذلك ، وليتدبر الآيات التي تخبر عن شدة الحساب والكتاب الذي يحصي الصغيرة والكبيرة ؛ فإنه إن فعل ذلك خاف المال وكثرته ، وحاذر من فتنته.

ومن فتن هذا العصر: الفتنة بما فتح الله تعالى على البشرية من أنواع العلوم والمعارف التي قادت كثيرا من الناس إلى الكفر بالله تعالى ، وتكذيب آياته ، والإلحاد في أسمائه وصفاته ؛ فزعم المفتونون بهذه العلوم والمعارف أن الإنسان هو مركز الكون ، ومحور الوجود ، وأنه سيطر على الطبيعة ، وأنه لا وجود إلا للمادة ، في إلحاد صارخ ، وإلغاء لعالم الغيب ، وإنكار للآخرة ، بل زعم بعض ملاحدة هذا العصر أن الإنسان سيسيطر على الموت ، وسيكتشف بلسم الحياة.

لقد فتنوا أشد الفتنة بالعلوم العصرية ، وبسببها عبدوا الدنيا، وتركوا النظر في الموت وما بعده فنسوا الآخرة.

وقد يفتن الإنسان بالعلوم الشرعية فلا ينتفع بها قلبه ، ولا تزيد إيمانه ، ولا تقوده إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال ، وذلك حين يغتر العالم بعلمه ، ويستعلي به على غيره ، ويجعله مطية لدنياه ، فيحرف الكلم عن مواضعه ليرضي الأهواء ، وينصر الباطل على الحق ، ويعتد برأيه ولو كان مخالفا للنصوص والإجماع.

ونجد علاج هذه الفتنة العظيمة في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ؛ فنبي الله موسى عليه السلام ، كليم الله جل جلاله ، وهو من أولي العزم ، وقد فضل على أكثر الرسل عليهم السلام ، وأيده الله تعالى بالمعجزات ، وأظهر على يديه الآيات ، ودحر به السحرة وعلومهم ، ومع ذلك كله لم يتكبر بما أعطاه الله تعالى من أنواع العلوم والمعارف ، وما أجرى على يديه من الآيات والمعجزات ، بل تواضع لله تعالى، ورحل يطلب العلم على يد الخضر عليه السلام ، وقال مقولة التلميذ المطيع لأستاذه ( ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا )

يقول موسى ذلك للخضر عليهما السلام وهو أفضل وأعلم بالله تعالى منه ، وهو رسول والخضر عبد صالح ، لكنْ عنده علم لا يعلمه موسى ، فتعلم موسى عليه السلام منه.

ولما علَّم الخضر موسى عليهما السلام مما علمه الله تعالى لم يغترَّ بعلمه ، بل نسب ذلك إلى الله تعالى ؛ اعترافا بفضله ، وحمدا له فقال ( رحمةً من ربك وما فعلته عن أمري ) .

وما أحوج من فتنوا بالعلوم العصرية أن يعترفوا بفضل الله تعالى عليهم ، وينسبوا علومهم إليه ، ويسخروها في ذكره وشكره وحسن عبادته ، فهو سبحانه الذي علمهم ما لم يكونوا يعلمون ( علم الإنسان ما لم يعلم ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت