د. علي بن عمر بادحدح
هذا الموضوع عرض في أثناء مناقشات ومحاورات مع بعض الأخوة حول كثرة العناية بالمظاهر ، واهتمام الناس بها ، وتفكيرهم فيها ، وجعلها في كثير من الأحوال محور حياتهم ، وعمدة مقاييسهم وموازينهم ، ومرجع أحكامهم على الأمور والأشخاص .
وكما نسمع في مجريات أحاديثنا أن هذه الدنيا - كما يقولون - مظاهر ، فإذا أراد الناس أن يقيسوا أو أن يحكموا أو أن يزنوا شخص ، نظروا إلى هيئته ، نظروا إلى مركبه ، نظروا إلى مسكنه ، نظروا إلى ما يبدعه من الألفاظ ، أو ما يسطرّه من الكلمات ، ولم ينظروا إلى ما وراء ذلك ، مما هو الأصل فيما ينبغي أن ينظر إليه في موازين الأشخاص والأحوال مما سيأتي ذكره .
والحقيقة أن هذا الموضوع والظاهرة واسعة ، ولا يمكن أن نجعل الحديث فيها شاملاً ، فنحن على سبيل المثال نعرف أن المظاهر في حياة المرأة أكثر وأعظم ، وربما يكون في طبيعة المرأة ما يجعلها تجنح إلى مثل هذا ، كما هو ظاهر من دلالة قول الحق جلا وعلا: { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} ، فطبيعتها أنها تميل إلى الحلية والزينة ، وربما يكون باب التفاخر والتظاهر عندها أعظم.
وليس حديثنا في هذا الجانب ؛ فإن لهذا الجانب - كما قلنا - بعض الأسباب إضافة إلى أنه باب واسع ، ومشكلاته كثيرة ، وليس أيضاً حديثنا حول المظاهر العامة في المجتمع ، وإنما أقصر الحديث على العناية بالمظاهر في صفوف الشباب على وجه الخصوص ، وربما أيضاً في صفوف الشباب الذين لهم توجه للخير ، والتزام بالإسلام ؛ فإننا إذا دققنا النظر في هذه الظاهرة وتسربها إلى هذه الفئة وتفشيها نوعاً ما في هذه النوعية ، أدركنا أن المسألة هنا أعظم أهمية ، وأكثر خطراً ، لأن الشباب هم عماد الأمة ، والشباب المقبلون على الخير ، الراغبون فيه هم أكثر من يعول عليه ، وينظر إليه ، ويؤمل فيه ، وينتظر منه العمل لمستقبل أمته ولدينه ؛ فإن شغل بهذه السفاسف ، وإن أغري بهذه المظاهر ؛ فإن هذا مكمن الخطر .
وهذا هو الذي سيكون حديثنا عنه في هذا الموضوع - بمشيئة الله تعالى - وأبدأ مستعينا بالله - عز وجل - سائلاً التوفيق منه - جلا وعلا- بأول فقرات هذا الموضوع ، منبهاً إلى أهميته وإلى أن الكلام الذي سيرد ربما لا يعجب بعض أولئك ، وربما يثير حفيظة أو غضب بعض من تلامسه هذه الظاهرة ، ولكن الحق أحق أن يتبع ، ونريد أن نبين ما هو من شرع الله - عز وجل - وما هو مقبول سائر ، وما هو يخرج إلى دائرة المحرم ، وما هو أيضاً وإن كان في دائرة غير المحرم لكنه لا يليق بمن يطلبون معالي الأمور ، ومن ينتدبون للمهمات الصعبة.
فنبدأ أولاً بمظاهر المظاهر ، أي ما هي المظاهر التي تدلنا على عناية المرء بالمظاهر ؟ وأين تتجلى صورة هذا الموضوع على وجه الخصوص ؟
الملامح العامة لأهل المظاهر
أذكر بعض الملامح التي أحسب أننا عند ذكرها لا نختلف عليها ، ولا نحتاج فيها إلى تفصيل وشرح ، لأنها من الأمور الواضحة الظاهرة.
أولاً: المبالغة في التأنق والتزين في اللباس
ونحن نعلم - أيها الأحبة - أن الإسلام طلب التزين والتنظيف والتطيب ، لكننا هنا نقصد المبالغة التي صورتها ، فتجد بعض أولئك الشباب يريد أن يكون ثوبه أنصع بياضاً من بياض الثلج ، وألمع من بريق الفضة ، وأعطر من المرأة أو الفتاة في خدرها ، ويريد أن تكون غترته أو عمامته من الكي والجمال والهيئة في الغاية ، ويرغب أن يكون حذاؤه ناعماً صقيلاً ، وفي كل صورة من الصور تجد عنده هذه المبالغة والالتفات.
وبذلك ترى أثر ذلك في تحركاته وتصرفاته ، فهو لا يستطيع أن يلتفت كما نلتفت ؛لأنه يخشى أن تنكسر - كما يقولون - كسرة غترته أو نحو ذلك ، يخشى أن يكون في ثوبه بعض ما لا يحبه لنفسه ، فإذا جلس في مكان نظر ثم نظف ثم تأفف ونحو ذلك ؛ لأنه يريد أن يكون على هذه الصورة الوضيئة المبالغ فيها.
وكما نرى أن من يكون هذا حاله لا شك أن هذا الوضع منه غير مقبول ، وغير مستساغ عند أهل الرجولة والشهامة ، ولذلك ربما يصفوه بأنه متأنق كالمرأة ، أو متزين كالفتاة ونحو ذلك ، أو كما يسميه الناس في لهجاتهم العامية ، أو في أمثلتهم الدارجة يسمون أمثال هؤلاء فيطلقون عليه وصف"بنت الشيخ"أو يقولون: هؤلاء مثل البنات ونحو ذلك ، ونحن نعني مثل هذه الألفاظ ؛ لأنها هي التي توضح المقصود بما نصفه بمثل هذه الظاهرة.
ثانياً: العناية بالأسماء والماركات
فهو إذا لبس لا يلبس إلا من النوع الفلاني من الأقمشة ، وإذا خاط ثوبه لا يخيطه إلا عند فلان من الخياطين المشهورين ، الذي له علامة أو الذي له رمز معين ، وإذا لبس حذاءً لا يلبس إلا من طراز معين، فحذاؤه من إيطاليا ، وقماشه من أمريكا ، وغترته من سويسرا ونحو ذلك .