فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
الهجرة وأزمة الأمة .. موضوع مهم نحتاج إليه ونحن مازلنا في أفياء هذه الهجرة وفي ضلالها .. ونحن قريبي عهد بالأمس بالعاشر من محرم وما فيه من فضيلة وما له من مزية .
ولعلنا نقف وقفات سريعة عابرة فيما قبل الهجرة ، وفي أثنائها ، وفي أوائل ما بعدها ؛ لننظر في هذه الهجرة نظراً اعتبارياً يعيننا على فهم حقائق واقعنا ، وعلى أن نبث في قلوبنا من يقيننا وإيماننا ، ومن قدرتنا وقوتنا ما يزيل ذلك الوهن ، وينفي ذلك الضعف ، ويمحو تلك الذلة التي تضلل على أمة الإسلام إلا من رحم الله.
صورة من الثبات على الدين عندما قبل المسلمون الأوائل دعوة سيد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - ودخلوا في الإسلام ، وأيقنوا بالإيمان .. واجهوا عداء قريش وأذاها وعنادها ، فأي شيء كان منهم ؟ لنرى كيف كان أثر الدين في حياة المؤمنين ؟ وما مكانته عند المسلمين ؟
كلنا يعلم تلك الرمضاء الحارقة من شمس مكة ، وهي تسطع على بلال تحت الصخر ، يعذب ويضطهد ، ويؤذى أشد الأذى وهو يهتف:"أحدٌ أحد"، لا يقبل أن يعطي الدنية في دينه ، ولا أن يغير معتقده ، ولا أن يساوم على إيمانه.
وصهيب ، وما أدراك ما صهيب ! وخباب ، وما أدراك ما خباب ! بقي أثر السياط على ظهره إلى يوم وفاته بعد عقود من الزمان ، كان يجلد حتى يختلط لحمه بجلده بدمه حتى يبلغ الأمر به مبلغاً جاء يشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ألا تدعوا لنا ألا تستنصر لنا فيثبت بمثبت الإيمان صلى الله عليه وسلم ، ويرد الأمر إلى ضرورة القوة في الدين والثبات عليه ( كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين ، وما يصده ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أوعصب ، وما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) .
فنزل الإيمان راسخاً في القلوب ، وسرى الإسلام جرياً مع الدماء في العروق ، فثبّت ذلك الإيمان .. حتى جاءت الهجرة من بعد ليست فراراً من المواجهة ، ولا خروجاً من الثبات على الدين ، لكنها تأكيداً أولوية الدين في حياة المسلمين.
جاءت هجرة الحبشة الأولى والثانية ولسنا في مسرد السيرة ، ولكننا نشير إلى الومضات التي تبين أنه لا دنية في الدين.
لما جاء عمرو بن العاص - وكان آنذاك رسول قريش - ليرد المهاجرين إلى مكة ، وجاء إلى النجاشي بما جاءه من الهدايا والأحاديث ، فطلب النجاشي - العادل - الطرف الأخر ليستمع بعد أن أساء عمراً القول ، وشوّه السمعة ، وأبثَّ الفتنة ، وأشاع الخلاف ، فجاء جعفر ابن أبي طالب مع بقية أصحابه المهاجرين .. أي صورة كانوا يمثلون ؟ صورة إيمان وإسلام ، مجتمعين موحدين ، ليس بينهم افتراق آراء ، ولا تباين أهواء ، ولا تعارض مصالح ، جمعوا كلمتهم ، واختاروا متحدثهم ، وأيقنوا بأنه لابد من أن يكون لهم موقفهم ، فماذا قال جعفر رضي الله عنه ؟
إنه كان يريد أن يحافظ على مصلحة المسلمين ، وأن يبقي على وجودهم وأن يوفر أمنهم وأن ييسر رغد عيشهم لكنه بحال من الأحوال هو ومن معه لا يمكن أن يكون ذلك كله على حساب إيمانهم أو على حساب إسلامهم فجعل حديثه إعلان بمساوئ الجاهلية وإظهاراً لمحاسن الإسلام فقال رغم حرصه على أسلوب يحفظ للمسلمين مصالحهم:"أيها الملك ، كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه ، وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان ، فخرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ،ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك"، وانظروا إلى لغة السياسة الإسلامية الإيمانية"فعذبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان ، فخرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ،ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك"، فهل في هذا نفاق سياسي ؟ وهل في هذا دنية دينية ؟ إنها حنكة مع إظهار الإسلام ، مع إعلان دعوته ومع إظهار محاسنه ، ومع الوقف مع المبدأ الحق دون تميع ولا تنصل من حقائقه ومبادئه.