فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وكان ذلك موقف حكيم دفع عنهم الأذى ، ولم يوقعهم في حرج من دينهم الإسلامي ، فهل اكتفت الجاهلية ومبعوثها الداهية عمرو بن العاص - وكان على شركه إذ ذاك - قال: والله لأتينهم الغداة بما يبيد خضرائهم ، وغدا على النجاشي .. يريد أن يشعل الفتنة وتأليب وتشويه بقوله: إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً ! يعلم من النصرانية أنهم يقولون:"عيسى هو الله وابن الله"، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ..
وجاءت هذه المعضلة والطامة المشكلة ، والمعجزة المربكة المحيرة .. وجودهم وأمنهم وعيشهم ورغدهم أو موقفهم ودينهم وعقيدتهم: ما تقولون في عيسى؟
أي شيء يقول جعفر ؟ وأي بيان يظهر المسلمون ؟ هل يبدلون أو يغيرون ؟ هل يحافظون على دينهم أم على حياتهم ؟ قالوها كلمات واضحة:"نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول".
لا دنية في الدين ، لا مساومة في العقيدة ، لا تغيير في الإيمان والإسلام .. أي شيء جرى لهم أي مصيبة حلت بهم أي نكبة نزلت عليهم لم يحصل من ذلك شيء ؛ لأن من كان مع الله كان الله معه ..
قال النجاشي:"والله ماعدا ما قلتم فيه عودي هذا"، فنخرت البطارقة ، قال:"وإن نخرتم !"، ثم قال لهم:"أنتم شيوم بأرضي ، لا يعتدي عليكم أحد"؛ لأنهم أهل مبدأ ، أهل يقين ، أهل عزة ، أهل وضوح لا أهل تميع وذلة وترخص والتماس عرض من الدنيا بضياع الدين نسأل الله عز وجل السلامة.
ثم جاءت الهجرة الكبرى ، وجاء الإذن الرباني من الله - عز وجل - للمصطفى صلى الله عليه وسلم ، بعد أن تهيأت الأسباب ، وبعد أن أدى الجهد منه ومن أصحابه - رضوان الله عليهم - فأي شيء كانت الهجرة ؟ أي درس أعظم فيها ؟
إنه التضحية بكل شيء من أجل الدين .. كلنا يعلم هجرة أبي سلمة ومعه أم سلمة ومعهما ابنهما سلمة يمضي تاركاً وراءه دنياه ، مخلفاً وراءه حياته الأولى ومراتع صباه ، وذكريات شبابه ، يمضي إلى الله ورسوله ، إلى مرضاة الله ، وإلى طاعة الله ، إلى التزام دين الله ، إلى إعلاء راية الله ، فيأتي أهل زوجته ويقولون له:"هذه نفسك قد غلبتنا عليها أما ابنتنا فلا تمضي معك"، فأخذوا زوجته فجاء بنو أسد - أهله - بعد أن مضى ، قالوا:"هذه ابنتكم أخذتموها أما ابننا فنأخذه"، فأخذوا الابن في جهة ، والأم في جهة ، والأب الذي يرى زوجته تؤسر وابنه يقهر هل يصده ذلك عن المضي إلى مرضاة الله ؟ وهل يضعف يقينه بالله ؟ وهل يستسلم لظروفه وما تدرّ به في هذه الحياة ؟ كلا ! مضى إلى الله مهاجراً ، ثم ماذا ؟ تمّت له هجرته وألحق الله له زوجته وابنه من بعد.
وصهيب ، وما أدراك ما صهيب ! غنيمة الحياة الدنيا كلها وثمرة جهده وتجارته وصناعته يخرج مهاجراً ، يحيطون به قائلين: جئتنا صعلوكاً وتخرج من بين أيدينا تاجراً ثرياً ؟! فقال: أريتم لئن أعطيتكم مالي أأنتم تاركي ؟! قالوا: نعم ، قال: فإنه في مكان كذا وكذا ، فذهبوا عنه ..
ذهبوا بماله كله ، بدنياه كلها ، بأيامه ولياليه وجهده وشقاء عمره ، فهل حزن لذلك ؟ وهل مضى كسيف البال أو رجع مشدوفاً إلى المال ؟
مضى إلى الله عز وجل فاستقبله سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ( بخٍ بخٍ .. ذاك مال رابح ) وتتنزل الآيات: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد } [ البقرة:207 ] ، بيعة وصفقة رابحة.
وعبد الله ابن جحش وزوجه وأخوه أبو أحمد -كان أعمى ضريراً لا يرى وكان شاعراً - أهل بيت خرجوا جميعاً ، لم يبقى منهم أحد ، خلفوا وراءهم الديار قطعوا العلائق ليسموا إلى ما هو أعظم وأعلى من شأن الدين والإيمان واليقين.
مرّ عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل فرأى عتبة هذه الديار وقد خلت من أهلها ، والريح تخفق فيها يباباً .. نظر إلى من تركوا الدنيا ، إلى من تركوا الديار .. نظر متأملاً متعجباً ، ونظر كذلك بنظرة إنسانية حزينة متأملاً ثم قال:
وكل داراً وإن طالت سلامتها يوماً ستدركها النكباء والحوب
فقال أبو جهل:"ذاك ما فعل ابن أخيك فرق جماعتنا وشتت شملنا"، وذلك هو حال الطغاة المجرمون مجرمون ويفعلون الجريمة ، فإذا التمس الناس منها خلاصاً صاروا هم المجرمون ، وصاروا هم الإرهابيون كما نرى في واقع حالنا اليوم.
أما أبو بكر وما أدراك ما أبو بكر ! وقته وعمره ماله وثروته أهله وبنوه داره وأرضه ريحه ونفسه كلها كانت تضحية في الهجرة ، حبس نفسه لصحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعة أشهر ، وهيأ ماله وعلف راحتيه ، وترك زوجه وأبناءه ، وترك داره وأخذ كل ماله ومضى مخاطراً بروحه وبنفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.