فهرس الكتاب

الصفحة 8206 من 9994

ولم يكنْ صيامُ السلفِ رحمهم اللهُ عن الطعامِ والشرابِ فحسب ..وأطلقوا ألسنتَهم بالغيبةِ والنميمةِ والكذبِ والبهتانِ ..والتندرِ بالناسِ والاستهزاءِ بهم ..ولم يكن صيامُهم كسلاً ونوم ..وسهراً بالليلِ إلى قبيلِ الفجر ..كلا ..لم يكنْ من ذلك شيءٌ ..بل كانوا يُحافظون على صيامِهم ..عن كلِ ما يخدشُه ..فهم صاموا نهارَه فأحسنوا الصيام ..وقاموا ليله فأحسنوا القيام ..وبين هذا وذاك تلاوةٌ للقرآن ، وذكرٌ واستغفار ، وندمٌ وبكاء ، وخوفٌ ورجاء ، أولئك هم الذين انتفعوا برمضانَ حقَّ الانتفاع ..يقول ابنُ رجبٍ رحمه الله: ( كان السلفُ يتلون القرآنَ في شهرِ رمضانَ في الصلاةِ وغيرِها ) وكان التابعيُ الجليلُ قتادةُ رحمه الله يختمُ القرآنَ في كلِ سبعِ ليالٍ مرة ، فإذا جاءَ رمضانُ ختمَ في كلِ ثلاثِ ليالٍ مرةً ، فإذا جاءَ العشرُ ختمَ في كلِ ليلةٍ مرةً ، وكان الإمامُ الزهريُ إذا دخلَ رمضانُ قال: إنما هو قراءُة القرآنِ وإطعامُ الطعامِ ..أما عن قيامهِم بالأسحارِ ، ومناجاتهِم للواحدِ الغفار ..فيقول السائبُ بنُ يزيد أَمر عمرُ بن الخطابِ أبيَّ بنَ كعبٍ وتميماً الداريَ أن يقوما بالناسِ بإحدى عشرَ ركعةٍ ، قال: وقد كان القارئُ يقرأُ بالمئين ، حتى كنا نعتمُد على العصيِ من طولِ القيام ، وما كنا ننصرفُ إلا في فروعِ الفجر"خشيةَ أن يفوتَنا الفلاحُ ـ أي السَحور ـ . [11] "

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم

الخطبة الثانية

أيها الأخوةُ الأكارم: لقد كان كثيٌر من السلفِ يُواسون من إفطارهِم أو يُؤثرون به فكان ابنَ عمر يصومُ ولا يفطرُ إلا مع المساكين ، فإذا منَعه أهلُه عنهمْ لم يتعشَّ تلك الليلةَ ، وكان إذا جاءَه سائلٌ وهو على طعامهِ أخذَ نصيبهَ من الطعامِ وقامَ فأعطاهُ للسائلِ فيرجعُ وقد أكلَ أهلُه ما بقي في الجفنةِ فيصبحُ صائماً ولم يأكلْ شيئا ، وكان يتصدقُ بالسكرِ ويقول:"سمعت الله يقول:]لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[ (آل عمران: من الآية92) والله يعلمُ أني أحبُ السكر ..وكان الحسنُ يُطعم إخوانَه وهو صائمٌ تطوعاً ويجلسُ يروحُهم وهم يأكلون ..وكان ابنَ المبارك يطعمُ إخوانُه في السفرِ الألوانَ من الحلواءِ وغيرهِا وهو صائم ..فسلامٌ اللهِ على تلك الأرواحِ ، رحمةُ الله على تلكَ النفوسِ ، لم يبقْ منهم إلا أخبارٌ وآثار ، كم بين من يمنُع الحقَ الواجبَ عليه وبين أهلِ الإيثار"

لا تقعُدَّن لذكرِنا في ذكرهِم ليس الصحيحُ إذا مشى كالمقعَدِ

ولقد كانوا يحفظون صيامَهم عن قبيحِ الكلام ، فلا سبابَ ولا خصام ..ولا غيبةَ ولا بهتان، بل امتثلوا هديَ نبيِّهم r في قولِه:" « الصيامُ جنةً فلا يرفثْ ولا يَجهلْ وإن امرؤٌ قاتلَه أو شاتَمه ..فليقلْ: إني صائم » [12] " رواه البخاري ..وحفظُ اللسانِ يكونْ في سائرِ الأحوالِِ ويتأكدُ في حالِ الصيام .. لأن الذي استطاعَ أن يمنعَ نفسَه من الطعامِ والشرابِ والشهوةِ ..لماذا يعجزُ عن كفِ لسانهِ عن السبِ و الشتائم ، ويحفظُ لسانَه عن سيءِ الكلام.

ومن اهتمامِ السلفِ بالصيامِ ..وحرصُهم على هذه العبادةِ أنهم كانوا يُمرنون أطفالَهم عليه ..ويُسلونُهم باللعبِ حتى لا يشعروا بطولِ النهار ..أخرجَ البخاريُ ومسلمْ عن الرَبَيعِ بنتِ مُعَوّذ قالت: أرسلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غداةَ عاشوراءَ إلى قرى الأنصارِ التي حولَ المدينةِ من كان أصبحَ صائماً فليتمْ صومَه ،ومن كان أصبحَ مفطراً فليتمْ بقيةَ يومهِ، فكنا بعد ذلك نصومُه ونُصَوّمُ صبيانَنا الصغارَ منهم ..ونذهبُ إلى المسجدِ فنجعلُ لهم اللعبةَ من العُهن ،فإذا بكى أحدُهم على الطعامِ أعطيناهم إياه ، حتى يكونَ عند الإفطار ..رواه مسلم ..فهذا الموقفُ يكشفُ لنا حالَ السلفِ مع الصيام ..وكيف كانوا يُربون أولادَهم عليه ..وهذا الذي ينبغي أن نكون عليه بأن نربيَّ أبناءَنا على الصيامِ ..وألا يَتسربَ إلى قلوبنَا تلك الحيلةَ ..ها هؤلاءِ صغار ..ألا ترحمُهم ..

وينشأُ ناشئُ الفتيانِ منا على ما كان عودَه أبوه

إذن أحبتي في الله: هكذا كان حالُ السلفِ مع الصيام ..ما كانوا يُضيعون أوقاتَهم باللعبِ ..وما كانواَ يقضون صيامَهم بالنومِ ..نعم هم ينامون لكن ليس كما ننامُ ..نحن ننامُ الكثيرَ من الوقتِ في النهار ..ونسهرُ في الليل ..ولكن هم على العكس من ذلك ..فأين نحن من أخلاقِ السلف ؟ وأين نحنُ من هذه الصورِ الرائعة ؟!!

ونحن أيها المسلمون: قادرون على أن نكونَ مثلَهم ، وأن نحذوَّ حذوَهم ، لأنهم بشرٌ ونحنُ بشر ، هم لهم شهواتٌ ونحن لنا شهوات ، هم لهم عزائمُ وهممٌ ونحن يجبُ أن تكونَ لنا هممٌ وعزائم ، ما بيننا وبينَهم إلا خطواتٌ ونصلُ إليهم بإذن الله تعالى ..فالفارقُ يسيرٌ والأمرُ ليس بالعسيرِ ..فعليك ببذلِ الأسبابِ من قطعِ أسبابِ الفسادِ عنكَ والإقبالِ على الله تعالى ، وصحبةِ من يُعينُكَ على الخيرِ والدعاءِ للهِ تعالى أن يفتحَ عليك أبوابَ رحمتِه وأن يتولاك بواسعِ فضلهِ ، وأن يرزقَك الإنابَة والهدايَة ، والتوبةَ والاستقامة .

اللهم تب على التائبين ، واغفر ذنوب المستغفرين ...

[1] - رواه البخاري (1904) من حديث أبي هريرة t

[2] -رواه البخاري (5052) من حديث عبد الله بن عمرو t

[3] -رواه النسائي (2236) من حديث سهل بن سعد t

[4] -ورقمه (2840) أبي سعيد الخدري t

[5] -وراه أحمد (1340) من حديث علي t

[6] -ورقمه (3256) من حديث أبي سعيد الخدري t

[7] ـ لطائف المعارف ص 177

[8] ـ الزهد لابن أبي عاصم (1/181)

[9] ـ شعب الإيمان (3 / 414) .

[10] ـ مدارج السالكين (1/454) .

[11] ـ رواه مالك (251) وصححه الألباني .

[12] -ورقمه (1904) من حديث أبي هريرة t

الحمد لله وحدة والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:

فقد بيّن سبحانه وتعالى حكمته من خَلقِ السماوات والأرض، وخلقِ ما على الأرض وخَلقِ الموتِ والحياة، وهي الابتلاء للجن والإنس، كما قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [هود: 7] ، وقال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [الكهف: 7] ، وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2] .

فعُلم من هذه الآياتِ أن الله خلق ما خلق لابتلاء العباد ليتبين من يكونُ منهم أحسنَ عملاً، ويظهرُ ذلك في الواقع حقيقة موجودة، بل بيّن سبحانه في كتابه أن ما يجري في الوجود من النعم والمصائب لنفس الحكمة وهي الابتلاء الذي يُذكر أحياناً بلفظ الفتنة، قال الله تعالى: { وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } [الأنبياء: 35] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } [العنكبوت: 2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت