فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولم أر مثل الموت حقاً كأنه……إذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا……فكيف به والشيب للرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزادٍ من التقى……فعمرك أيام وهن قلائل
يا معاشر المسلمين، إلى متى الركون إلى هذه الدنيا؟ إلى متى هذا التكالب على هذه الدنيا؟ وإلى متى التسويف بالتوبة؟ فالواجب علينا أن نبادر بالأعمال الصالحة قبل أن لا نقدر عليها، أو يحال بينها وبيننا بمرض أو موت أو غير ذلك من الأشغال، ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه، ويتمنى الرجوع إلى حال يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية.
قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100] .
النفس تبكي على الدنيا وقد……علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها……إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه……وإن بناها بشر خاب بانيها
أين الملوك التي كانت مسلطنة……حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها……ودورنا لخراب الدهر نبنيها
كم من مدائن في الآفاق قد بنيت……أمست خراباً وأفنى الموت أهليها
لا تركنن إلى الدنيا وما فيها……فالموت لا شك يفنينا ويفنيها
واعمل لدار غداً رضوان خازنها……الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها……والزعفران حشيش نابت فيها
معاشر المسلمين، ليس معنى هذا أن نتقوقع في هذه الدنيا أو نتكهن فيها، لا فالإسلام يدعوك أن تكوِّن لنفسك مركزاً اجتماعياً مرموقاً، وأن تكوِّن مالاً وفيراً من الحلال حتى يكفيك ومن تعول من الحرام، وحتى تمكن به لدين الله تعالى، وتنفق منه على الفقراء المساكين، ولكن إياك أن تجرفك زهرة الدنيا وهذا المال إلى الضلال والإضلال والهلاك، بل عليك أن تجعل هذا المال في يديك ولا تجعله في قلبك.
فالتوبة التوبة عباد الله، فإن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان.
إنَّ الحمد لله, نحمده ونستعينه, ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهدي اللهُ فلا مضل له, ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهدُ ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم وسلم تسليماً كثيراً .
عباد الله:
اتقوا الله فهي وصية الله إليكم, وهي خير لباسٍ في الدنيا, وخير زادٍ إلى الآخرة. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) (الحشر:18 ) ) ، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * ُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب: من الآية71,70) .
أيها المؤمنون .
إن الجنة هي سلعة الله الغالية وهي جائزته الثمينة ، وهي التي إليها استشرف الأنبياء والصالحين وفيها تسابق الصادقون ولأجلها صبر أهل البلاء الممتحنون . وهي غالية عزيزة لأنها نعيم مقيم ولأنها دليل على رضى الرب الرحيم وفيها صحبة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ولكن هذه المنحة لربانية العظيمة دونها اختبار لا بد من اجتيازه ... وعقبات لا مناص من اقتحامها .
فقد قال الله عز وجل: (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) ) (البقرة:214) , ويقول عز وجل: (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) ) (آل عمران:142) .
أجل إن كتاب الله العظيم يوجه المؤمنين إلى تجارب الأمم الخالية .. إلى ما منهم من العناء والبلاء والشدة والأداء في سبيل الدين والصبر عليه والثبات على مبادئه ... فالخلاف الذي بين المؤمنين وبين أهل الكفر والشرك والضلال يجر خلافات ومتاعب وحروب ومصائب وينجم بين الفريقين مخ ثالث من أهل النفاق لهم مكرهم وكيدهم وكل هذا يحتاج إلى صبر وثبات وقوة وعزيمة صبر على المبدأ وتمسك به مهما طالت الصراع واشتد دمعهما كلف من آلام وتبعات وعزيمة على نشر الحق والدعوة إليه والدفاع عنه .
وما يصيب المؤمنين من نكسات وهزائم ... وجراحات وأحزان وما يحققه المشركون من تفوق وانتصار وسطوة وقوة ليس هو السنة الثابتة بل حدث عارض ، وراءه حكمة خاصة ونعم ربانية عظيمة فبتلك الشدائد تتمايز الصفوف .
وتنجلي حقائق القلوب وتتمحص النفوس ويتخذ الله من عباده شهداء .. ومن وراء ذلك صنع الجيل المسلم المتماسك والمستبسل من أجل دينه وعقيدته ... ولذلك كان الصحابة يفقهون سنة الله في الابتلاء بالشدائد وكانوا يتوقعونها ويتحرونها فإذا نزلت بساحتهم عرفوها وعرفوا أن من ورائها الأجر وفيها الصبر ومن بعدها النصر والظفر فكانوا إذا أناخت بواديهم عظيم بلية أرحلوها نفوساً كريمة وفرغوا لها قلوباً عظيمة واستشروا بما وراءها (( وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ) ) (الأحزاب:22) .
إنهم يرضى عنهم وأرضاهم .. يستوعبون سنة الله في الابتلاء ويثقون بنصره وذلك الفقه يورثهم التوازن أيام المحن فلا يصيبهم هلع أو جزع ولا يتسرب إلى نفوسهم يأس أو قنوط بل إنهم بكل ثقة وإيمان يربطون المحنة بالوعد المرتقب فيختارون الصبر والثبات.
بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على التفاؤل بنصر الله والفرح بوعده في أضيق الساعات وأحرج المواقف عن خباب بن الأرث رضي الله عنه قال: شكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مؤسد بروة له في ظل الكعبة قلنا له ألا تنصر لنا ، ألا تدعو الله لنا ؟ قال: (( كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيحاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) ).