إعداد/ د. عبد العظيم بدوي
الحلقة الأولى
هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (01) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14)
[الإنسان: 1- 41]
-: بين يدي السورة:-
سورة مكية، تعرف الإنسان بنفسه: مَن هو؟ ومِن أين جاء ؟ ولماذا جاء ؟ وإلى أين ينتهي؟ وماذا بعد النهاية ؟ هذه الأسئلة التي حارت فيها أفهام، وضلّ بسببها أقوامٌ، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [البقرة: 213] .
وقد أَوْجَزَتِ السورةُ في ذكر عذاب الكفار، وأطالتْ في ذكر نعيم الأبرار، ثم خُتمتْ بالحديث عن القرآن، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يلقاه من المكذبين من الأذى، فإنّ اللَّه قادرٌ على أن يبدّل خيرًا منهم: وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم:20]
فلو أنّ إنسانًا حائرًا، شاكًا مترددًا قرأ هذه السورة أو استمع إليها، وهو منزه قلبه عن الهوى والعصبية والحمية الجاهلية، ما تردّد بعدها لحظةً، ولا شكّ بعدها بُرهةً، فإنها كلامُ اللَّه: ومن أصدق من الله قيلا [النساء: 122] ؟ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك: 14] .
قال تعالى: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان: 1- 3]
-: تفسير الآيات: -
قوله تعالى: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، هذا سؤال للتقرير، ومعناه: قد أتى على الإنسان زمانٌ لم يكن شيئًا مذكورًا، كما تقولُ لمن أَكْرَمْتَه: هل أكرمتُك ؟ ولمن أحسْنتَ إليه: أأحسنتُ إليك ؟ كلّ مولود له تاريخُ ميلاد، فأين كان قبل ذلك التاريخ ؟ لم يكن شيئا مذكورا كان عَدَمًا، إذن: مِنْ أين جاء الإنسانُ ؟ مِنَ العدم. ومَنِ الذي جاء به؟ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج فالذي جاء بالإنسان مِنَ العدِم إلى الوجودِ هو اللَّه: أم خلقوا من غير شيء ؟
مستحيل، أم هم الخالقون [الطور: 35] أنفسهم ؟ أيضًا مستحيل، هل ادَّعى أحدٌ أنه خلق نفسه أو غيره ؟ لا، بل الكل متفق على أن الخالق هو اللَّه، قال تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [الزخرف: 87] ، والله تعالى خَلَقَ الإنسان الأول آدم من طين، أما الإنسان المذكور هنا فالمراد به بنو آدم، والله يقول: إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج أي من نطفة مختلطة، والمراد بها نطفةُ الرجلِ ونطفةُ المرأة، كما قال تعالى: فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب [الطارق: 5- 7] ، والمراد بالصلب صُلُب الرجل، والمراد بالترائب ترائب المرأة، قال اللَّه تعالى: الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين [السجدة: 7، 8] ، وقال تعالى: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين
[المؤمنون: 12-14]
ولماذا خَلَقَ اللهُ الإنسانَ ؟ قال تعالى: إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه أي لنختبره ونمتحنه، كما قال تعالى: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا [الملك: 2] ، وقال تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [الكهف: 7] ، وقال تعالى: وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا [هود: 7] ، إذن لم يخلق اللَّهُ الخلق عبثًا، وما كان ليتركهم سُدًى، بل خلق الخلق ليختبرهم ويمتحنهم بالأمر والنهي، كما قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] أي لآمرهم بعبادتي، فمن أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني دخل النار.