فهرس الكتاب

الصفحة 5275 من 9994

وحتى يتمكن الإنسان من معرفة ما خُلق له والقيام به أعطاهُ اللَّه وسائل المعرفة والعلم والإدراك وهي المذكورة في قوله تعالى: فجعلناه سميعا بصيرا فبالسمع يستمع إلى آيات اللَّه المقروءة، وبالبصر يتأمل آيات اللَّه المنظورة، فيؤمن به ويعبده، وهذا كقوله تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون [النحل: 78] ، ومع هذه الوسائل أعطاه اللهُ القدرة على سلوك أي السبل شاء، سبيل اللَّه، أو سبيل الشيطان.

ثم بعد ذلك كله أرسل إليه الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165] ، قال تعالى: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة [الأنفال: 42] ، قال تعالى: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا المراد بالهداية هنا هداية البيان والإرشاد، فالله تعالى قد هدى الإنسان أي بيّن له طريق الخير والشر، وأرشده إلى طريق الخير، وحذره من طريق الشر، كما قال تعالى: وهديناه النجدين [البلد: 10] أي الطريقين، طريق الخير وطريق الشر.

وهذه الهداية يقوم بها الأنبياء وأتباعهم، فمن قَبِلَها منهم واتَّبَعَهُمْ مَنَّ اللهُ عليه بالهداية الثانية وهي هدايةُ التوفيق، وهو خَلْقُ قُدرةِ الطاعة، ومَنْ رفض هداية الأنبياء وكذب وتولى حقت عليه كلمة العذاب، كما قال تعالى: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون [فصلت: 17] ، والهداية هنا هي هداية البيان والإرشاد التي هداهم إليها أخوهم صالحٌ عليه السلام، ولكنهم آثروا الباطل على الحق، فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون [فصلت: 17] .

وقوله تعالى: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا أي أن الإنسان بعد بيان الأنبياء له، وهدايتهم إياه، إمَّا أن يتبعهم على ما جاءوا به من الهدى ودين الحق فيكون شاكرًا، وأمَّا أن يتولى عنهم ويرفض الذي جاءوا به فيكون كفورًا، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد [لقمان: 12] .

فإن قيل: لِمَ جمع اللَّه تعالى بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في المبالغة ؟ فالجواب: أنه سبحانه إنما جمع بين الشاكر والكفور نفيًا للمبالغة في الشكر، وإثباتًا لها في الكفر، لأن شكر اللَّه تعالى لا يؤدى كاملاً، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر لأنه كثير، فقلّ شكرُه لكثرة النعم عليه، وكُفْرُه وإن قل فكثير لكثرة الإحسان إليه.

قال تعالى: إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا هذه الآيات تخبر عمّا للناس عند اللَّه بعد رجوعهم إليه، ولما كان منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون [آل عمران: 110] ، بيّن سبحانه جزاء كلٍّ فقال: إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا، والسلاسِلُ قيودُ الأرجل، والأغلالُ قيودٌ تُوضع في الأيدي وتضمها إلى الأعناق، كما قال تعالى: إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون [غافر: 71، 72] ، وقد أخبر سبحانه عن طول السلسلة الواحدةِ فقال: ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه [الحاقة: 32] . وأما السعير فهو اللهب والحريق في نار جهنم، وحسبهم ما ذُكِرَ، أما الأبرار فيفصّل ربنا سبحانه ما أعد لهم من النعيم فيقول: إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، الأبرار: جمع بارّ من البر، وهو اسمٌ جامعٌ للخير كله، كما قال تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [البقرة: 177] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت