فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أولئك يشربون في الجنة من كأس كان مزاجها كافورا والكافورُ أطيبُ من الطيب. قال العلماء: كان النّاس إذا شربوا الخمر وضعوا عليها شيئًا من الكافور لتطيب رائحتها، فذكر اللَّه تعالى أنّ الأبرار يشربُون في الجنة من الخمر التي لا يصدعون عنها ولا ينزفون [الواقعة: 19] ، وهي مع ذلك قد مُزجت بالكافور زيادةً في طيبها، بينما المقرّبون يشربون من الكافور الخالص غير الممزوج، كما قال تعالى: عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا، والأبرار هم المقتصدون، بينما المقربون هم السابقون في الخيرات، الذين اجتهدوا في الطاعات فَرْضِها ونفلها، وتركوا المحرمات وغيرها من المكروهات، ومِنْ أعمالِ الأبرار التي نالوا بها ما نالوه أنهم يوفون بالنذر فإذا أَلزمُوا أنفسهم شيئًا من الطاعات غير اللازمة أوْفوا بما التزموا به، وإذا أَدَّوا ما أَلْزَموا به أنفسهم من الطاعات فلا بد أنهم أكثرُ أداءً وأكثرُ وفاءً لما أَلْزَمهم به اللَّه سبحانه، ويخافون يوما كان شره مستطيرا أي منتشرًا عامًا في كل الناس، إلا من رحم اللَّه، قال قتادة: استطار - والله - شرّ ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، وهذا مما يُنال به البّر، كما قال تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92] ، وإذا كان إطعام الطعام على حبّه محمودًا فإن الإيثار أعظمُ منه حمدًا، قال تعالى: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: 9] ، فالذي يطعم الطعام على حبه قد لا يكون محتاجًا إليه، أمّا الذي يؤثر على نفسه فهو محتاج إلى ما يُؤثرُ به غيره، وهذا أمرٌ لا تطيقه كلّ النفوس.
وإطعامُ الطعامٌ عملٌ من أعمال البر، ولكنّ أعمال البر لا تنفع إلا إذا أُريد بها وجه اللَّه، ولذا قال الأبرار: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، فقد يُطعِمُ الرجلُ طمعًا في أن يُطعم، وقد يُعطي طمعًا في أن يأخذ، وقد يُطْعِمُ طمعًا في المدح والثناء، ولكنّ الأبرار يُطْعُمِونَ الطعام على حبه يرجون رحمة اللَّه، كما قال تعالى: فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى [الليل:14- 21] .
وقوله تعالى: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن عِلم اللهُ به من قلوبهم فأثنى عليهم به، أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين [العنكبوت: 10] .
وقوله تعالى: إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا يبين علة إطعام الطعام لوجه اللَّه، فهم يخافون يومًا ضيقًا شديدًا، كان شرّه مستطيرًا، فهم يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا عسى اللَّه أن يقيهم شرّ ذلك اليوم، وقد وقاهم، قال تعالى: فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا، لقد كانوا يخافون شرّ ذلك اليوم فوقاهم الله شر ذلك اليوم، وهذه وحدها كافية، ولكنّ اللَّه زادهم مِنْ فضله، ولقاهم نضرة في وجوههم، وسرورا في قلوبهم، والقلبُ إذا سُرّ استنار الوجه، وجزاهم بما صبروا على طاعته، وعن معصيته، وعلى قَدَره، جنة عالية (22) قطوفها دانية، وحريرا كما قال تعالى: إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير [الحج:23] ، متكئين فيها على الأرائك والاتكاءَ جلسة الاستراحة، وعُنْوانُ خُلُوّ البال، وطمأنينة الفؤاد، وكلّ ما حولهم يعين على ذلك، لا يرون فيها شمسا يزعجهم حرّها، ولا زمهريرا يؤذيهم بردُه، ودانية عليهم ظلالها أي قريبةٌ إليهم أغصانُها، وذللت قطوفها تذليلا بحيث إنه إنْ قام ارتفعت معه، وإن قعد تذللت له، وإن اضطجع تذللت له، قاله مجاهد رحمه اللَّه.
فإلى عشّاق النزهة والفسحة، وإلى طُلاب ظلّ الأشجار وضفاف الأنهار، أما ترغبون في مثل هذه الأشجار ! أما ترغبون في مثل هذه الأنهار! أما ترغبون في جنة عالية (22) قطوفها دانية [الحاقة: 22، 23] ، اسمعوا وعوا: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب رحيم [يس: 55- 58] فمن رغب فليعمل، فإنّ اللَّه يقول: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا [الإسراء: 19] .
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.