فهرس الكتاب

الصفحة 9954 من 9994

موسوعة الخطب المنبرية

الباب الرابع

من خطب الشيخ محمد حسان

حفظه الله

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

إنّ الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله ، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فاللهم أجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته ، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين ..

أما بعد .. فحياكم الله أيها الأخوة الفضلاء وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلا ، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته ، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى صلى الله عليه وسلم في جنته ودار مقامته ، إنه ولى ذلك والقادر عليه ..

أحبتي في الله: كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق هذه من العلامات التي ذكرها النبي وعلى آله والتي ستكون بين يدي الساعة ، ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي قال:"إن بين يدي الساعة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق" (1)

وشهادة الزور هي الكذب المتعمد في الشهادة لإبطال الحق وكذلك كتمان الشهادة لإبطال الحق ، وهذه من العلامات التي تكون بين يدي الساعة وقد وقعت الآن بمثل ما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، كثرت شهادة الزور وقلت الشهادة لإظهار الحق وكتمت .

ففي الصحيحين من حديث أبي بكر قال كنا عند رسول الله فقال:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟"قالوا: بلى يا رسول الله قال عليه الصلاة والسلام:"الإشراك بالله"وتلي هذه الكبير كبيرة العقوق الإشراك بالله"وعقوق الوالدين"وكان متكئا - بأبي هو وأمي - فجلس ثم قال:"ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور"فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (1) .. شهادة

الزور كبيرة كبيرة ، وخطيرة فشهادة الزور هي الكذب المتعمد وتستطيع الآن بعشرة جنيهات أو بمائة جنيه أو بألف جنيه بحسب حجم الشهادة وخطر القضية ، تستطيع أن تستأجر بهذا المبلغ رجلا ممن ينتسبون إلى الإسلام أمام محكمة من المحاكم ، ليقف أمام القاضي ليشهد زور وهو يعلم يقيناً أنه كاذب وأظن أن كلامي هذا ليس فيه ذرة من المبالغة ولا من تضخيم الأخطاء ، بل هذا واقع نعلمه ويعلمه كل منصف صادق يتقدم الرجل ليقول له القاضي: قل والله العظيم أقول الحق فيقول: والله العظيم أقول الحق ، يقسم بالعظيم أنه سيقول الحق وبهد هذه الشهادة وهذا القسم يكذب وهو يعلم يقينا أنه كذاب وهذا اليمين الغموس الذي يغمس صاحبه في نار جهنم أن يكذب الرجل وأن يقسم بالله جل وعلا أنه صادق هذا هو اليمين الغموس الذي يغمس صاحبه في النار والعياذ بالله وذكرت لإخوانكم في دروس صحيح البخاري في يوم الأحد أنني حينما كنت أعمل في القصيم في السعودية وقدر الله عز وجل أن أصلي الظهر في مسجد من مساجد بريدة في يوم من الأيام وكنت أصلي مأموماً وقبل انتهاء الصلاة - والله يا إخوة - قام رجل ربما تجاوز السبعين من عمره أو ربما قارب التسعين رجل شيخ كبير وبعد ما سلم الإمام وقف وقال: يا إخواني إخواني أحذركم من شهادة الزور وظل يكرر هذه اللفظة حتى بكى وأبكى من في المسجد لهيئته - أحذركم من شهادة الزور ، وظل يكرر هذه اللفظة ثم استطرد ، ليبين فماذا قال ، قال: والله ما رأيت النور إلا بالأمس القريب فأنا مسجون منذ أربعين سنة بسبب شهادة زور تصور ضاع عمره في السجن وانتهت حياته بسبب شهادة زور إنما هو بيع للدين تماما من أجل الدنيا من أجل حفنة من الجنيهات أو من أجل مجاملة كاذبة حقيرة يتقدم الرجل في قضية من القضايا ، ليأتي برجل قريب له أو بمسلم بعيد عنه بمال حقير عفن قذر ، ليتقدم هذا الشاهد ليقف بين يدي القاضي ليكذب متعمداً على الله جل وعلا هذه كبيرة من أخطر وأخبث الكبائر وقد استشرت وانتشرت الآن كعلامة من العلامات التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام ولخطر هذه الشهادة - شهادة الزور وكتمان شهادة الحق - قرنها النبي بالشرك بالله ، وبعقوق الوالدين"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين"ثن تأتي شهادة الزور والله تبارك يقول في كتمان شهادة الحق ( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) (البقرة/283) إن دعيت إلى الشهادة فاشهد بالحق ، ولكن أرجو إن تقدمت إلى الشهادة أن تشهد كما لو أنك ترى الشمس في رائعة ، أو في رابعة النهار ، ولا تشهد على غبش ، ولكن اشهد على الحق الذي رأيت بعينك والذي سمعت بأذنك ، ولا تقل: بلغني كذا أو سمعت عن فلان كذا وكذا ، لا وإنما إن طلبت للشهادة فلا تكتم الشهادة ، إن رأيت بعينك أو سمعت بأذنك على مثلها فاشهد كما قال الصادق المصدوق وإن كتمت الشهادة فإن كتمان الشهادة دليل على ضعف الإيمان في القلب وضعف اليقين في القلب (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) وأنا أقول لكم بكل أمانة: ما وقعنا في هذا الواقع المزري المر الأليم إلا بسبب كتمان شهادة الحق فلو أن كل مسلم من المسلمين الآن شهد شهادة حق لبدل الله وغير الله هذا الواقع ، لكن هذا يجامل ، وهذا يجامل ، فيضيع الحق بين هذه المجاملات الكاذبة على حساب الحق أو على حساب دين الله جل وعلا .

وتزداد المصيبة إذا علمنا أن شهادة الحق قد فرط فيها الآن كثير ممن ينتسبون إلى العلم فقد يدعي رجل من أهل العلم لموقف من المواقف ويحضر ويجلس ويرى ويتابع وينكر الحق الذي يعلمه من قرآن ربه وسنة نبيه ، ولا ينظر الحق ولا يشهد به ، فقد يحضر رجل من أهل العلم في احتفاء كبير ضخم ينقل على شاشات التلفاز كما هو الحال في مولد السيد البدوي مثلا ، ويرى بعينه ما يفعله المسلمون الجهلاء حول القبر ، ويسمع بأذنه كلمات الشرك كالتي تقول: أعطني أدركني ارزقني الولد ارزقني المال ، يسمع بأذنه ويكتم شهادة الحق التي يعلمها من قرآن ربه وسنة نبيه .

فأرجو أن ننظر إلى كتمان شهادة الحق نظرة شاملة واسعة إذ أن شهادة الحق لا تقتصر على مجرد أن تكون شاهداً في قضية من القضايا ، أو في محكمة من المحاكم ، بل إنها الخيانة الكبرى أن ترى المنكر وأنت تعلم أنه منكر ، ولا تشهد شهادة الحق من الخيانة الكبرى أن ترى الشرك الغليظ وأن تسمع كلماته الخبيثة ، وأن ترى أفعاله الشنيعة وأن تكتم شهادة الحق التي تعلمها من قرآن ربك ومن سنة نبيك ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (لأنفال/27) (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) ( البقرة/283) من يكتم شهادة الحق فإنه آثم قلبه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت