فهرس الكتاب

الصفحة 3888 من 9994

#الهجرة بين الأمس واليوم

إعداد: زكريا حسيني

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

وجوه إعجاز القرآن الكريم

بعد أن أجمع أهل العلم على إعجاز القرآن بذاته، وعلى عدم استطاعة أحد من البشر أن يأتي بمثله، تعددت أقوالهم في وجوه إعجاز هذا الكتاب المبارك.

فمن إعجاز القرآن: حسن تأليفه، وفصاحته، ووجوه إعجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن وفرسان الكلام، قد خُصوا من البلاغة والحِكَم ما لم يُخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، جعل الله لهم ذلك طبعًا وخِلْقَةً، وفيهم غريزة وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب، وتساجلوا في النظم والنثر، فما راعهم إلا رسول كريم، بكتاب عزيز: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد {فصلت: 42} .

أحكمت آياته وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى {النحل: 90} ، قال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر- وهو تشبيه منه بأنه كشجرة مُثمرةٍ.

وذكر أبو عبيد أن أعرابيّا سمع رجلاً يقرأ: فاصدع بما تؤمر {الحجر: 94} ، فسجد وقال: سجدت لفصاحته. وسمع آخر رجلاً يقرأ: فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا {يوسف: 80} . فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام.

وحكى الأصمعي أنه سمع جارية تتكلم فقال لها: قاتلك الله، ما أفصحك؟ فقالت: أو يُعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين {القصص: 7} ، فجمع في آية واحدة بين أمرين، ونهين، وخبرين، وبشارتين.

فهذا نوع من إعجازه، منفرد بذاته، غير مضاف إلى غيره على التحقيق والصحيح من القولين.

وكون القرآن أتى به النبي من عند الله معلوم ضرورة، وكونه صلى الله عليه وسلم متحديًا به معلوم ضرورة، وعجز العرب عن الإتيان به معلوم ضرورة، وكونه في فصاحته خارقًا للعادة معلوم ضرورة للعالمين بالفصاحة ووجوه البلاغة.

وإذا تأملت قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة {البقرة: 179} ، وقوله: ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب {سبأ: 51} .

وقوله: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم {فصلت: 34} ، وقوله: فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون {العنكبوت: 40} ، وأشباهها من الآي- بل أكثر القرآن- حققت ما بينته من إيجاز ألفاظها وكثرة معانيها وحسن تأليف حروفها، وأن تحت كل لفظة منها جملاً كثيرة، وفصولاً جمة، وعلومًا زواخر، ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها، وكثرت المقالات في المستنبطات عنها.

ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار القرون السوالف التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه ببعض، كقصة يوسف على طولها، ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة ترددها حتى تكاد كل واحدة تُنسي في البيان صاحبتها، ولا نفور للنفوس من ترديدها ولا معاداة لمعادها.

ومن إعجازه: الإخبار عن السابقين

أخبر القرآن عن الأمم المتقدمة على لسان نبي أُميّ لا يعرف الكتابة ولا يقرأ المكتوب كما قال تعالى: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون {القصص: 46} ، وقال تعالى: وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون {آل عمران: 44} ، وقال تعالى: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون {يوسف: 102} ، إلى قوله: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب {يوسف: 111} .

وأخبر عن خلق آدم وقصته مع الشيطان وقصص الأنبياء مع قومهم وخبر موسى والخضر وأصحاب الكهف وذي القرنين ولقمان وابنه وعن بعض أحكام التوراة حتى تحداهم الله بقوله: قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين {آل عمران: 93} ، وقال تعالى: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير {المائدة: 15} . بل قد شهد له من هداه الله من أهل الكتاب فقال تعالى: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم {الأحقاف: 10} .

يتحداهم ذلك النبي الأمي فلا يستطيعون رد شيء مما يقول كما يقول سبحانه وتعالى: وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون {العنكبوت: 48} .

ومن إعجازه: الإخبار عن الأمور المستقبلة

إخباره عن أمور مستقبلة وما انطوى عليه من الأخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع فوقعت مطابقة لما أخبر الله به في كتابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت