فهرس الكتاب

الصفحة 8113 من 9994

أولاً: أنَّ قضيةٌ الصراع بين الحق والباطل هي قضية أزلية، ضاربةٌ جذورَها في أعماقِ التاريخ. وإنَّه وإن تغيرتْ الوجوهُ والشخصيات, والأسماءُ والمسميات, فإنَّ جوهرَ النزاع سيظلُ باقياً كما هو, لا تزيدُه الأيامُ إلاّ احتداماً .

ثانياً: أنَّ التصدي للأنماطِ الجاهليةِ السائدة, والوقوفُ بوجهِ الانحرافاتِ السلوكيةِ الدارجةِ في المجتمعات, هو منهجُ الأنبياء, وأولي العزم من الرسل، فلا عبرةَ بخنوعِ الخانعين, وانجفال الخائبين .

ثالثاً: أنَّ العداوةَ بين المهتدينَ والمنحرفين يشتعلُ فَتيلُها, وتضطرمُ نارُها, منذ اللحظةِ الأولى التي يعلنُ فيها الحقُ عن قدومهِ إلى الساحة, ورفضهِ الركوعَ للباطل, والاستسلامَ للأمرِ الواقع .

رابعاً: من خلالِ القصة، يتبين مقدارُ الانحراف الذي يصلهُ الإنسان، حين ينجرفُ مع التقاليدِ البالية التي صنعها آباؤهُ وأجداد, وكبراءُ قومه, ومنحرفو أمته ، حتى يبلغَ به انحدارُه مرتبةً لا يتبوؤها إلا خانعُ النفس, ميتُ الإحساسِ, عديمُ الضميرِ, قد اعتراه اللؤمُ ولفَّه الهوانُ.

خامساً: شجاعةُ إبراهيمْ عليه السلام, واستخفافهُ بكثرةِ قومهِ وجبروتهم, , فقد وقف مجادلاً ومناظراً, بمفردهِ أمامَ جموعٍ من الطواغيت, متوكلاً على الله وحده, متبرئاً من حولهِ, وقوته .

سادساً: لقد كانت حجةُ إبراهيم باهرةً, وبرهانه ناصعاً, واستطاع أن يثبتَ بالدليلِ العملي بطلانَ الاعتقادِ السائدِ لدى القوم, بألوهيةِ الأصنام حين حطَّمها, وفتَّتها واحداً بعد الآخر، فلم تنتصرْ لنفسِها, وظلَّ كبيرُ الأصنام شاهداً على عجزهِ وعجزهم, وضعفهِ وضعفهم, ورغمَ ذلك الانتصارِ النبوي في الحجةِ والبرهان, تعامى الطواغيت, واستكبروا من الإذعان للحق, وجمَعوا كيدَهم أشراً وبطراً, ورئاء الناس

سابعاً: أنَّ القضيةَ في صراعِ الحقِ والباطل، ليست قضيةَ من المحقِ, ومن المبطل؟ ومن على صوابٍ, ومن على خطأ ؟ كلاَّ , إنَّ القضيةَ هي الاستبدادُ, والرغبةُ في استعبادِ العباد, وممارسةِ الطغيان بكل اطمئنان,

ثامناً: أنَّ الخصم قد يصدرُ حكمَه الجائر, ويشتهي البطشَ بخصمهِ, والتشفي منه, لكنْ ليس بالضرورةِ أنْ يحققَ الخصمُ مرادَه, فأنتَ ترى كيف حكمَ الطواغيتُ على إبراهيم حكمَهم الجائرَ الظالم، من خلالِ إلقاءه في النار, حتى يموتَ محترقاً, لكنَّ الله جلَّ جلاله قد يحولُ متى شاء بين الخصومِ وبين ما يشتهون, وأنَّ ما يتحققُ على أيديهم لو تحقق إنَّما يجري بقدرِ الله, وليس بغائبٍ عن عينِ الله, ولكنْ قصرت عقولُنا عن إدراكِ كلِّ الحِكَم, وللهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعد .

تاسعاً: أنَّ الابتلاءَ والامتحان، مرحلةٌ من عمرِ الزمن, لا تلبثُ أنْ تنقضي وتزول، طال الزمنُ أم قصر .

ولكنَّ العاقبةَ للمتقين، لقد ابتُلي إبراهيم فصبرَ, ولم يتراجعْ ولم ينهزمْ أمامَ خصومهِ من المجرمين, فانتهى البلاء ومرَّ العناء, وذهب إبراهيمُ وذهب المجرمون، لكن شتَّان بين من ذهب مسنداً ظهره إلى البيتِ المعمورِ في السماء السابعة, وبين من قال اللهُ عنهم: (( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْ قُومٌ ) ) (المطففين: 20.19.18) .

وأخيراً أيها الأخُ المسلمُ الكريم, أذكركَ بقولهِ جلَّ جلاله: (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) ) (الممتحنة: 4) .

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً. أما بعد:

ماذا أقول وألف ألف قصيدة عصماء قبلي.. سطرت أقلام

مدحوك ما بلغوا برغم ولائهم أسوار مجدك فالدنو لمام

أيُّ معلمٍ كان ، وأيُّ إنسانٍ ؟ ذلك الذي امتلئ عظمةً وأمانةً وسمواً ؟ ذلك الذي امتلئَ عفةً وكرامةً ونبلاً ؟

ألا إنَّ الذين بهرتهم عظمتُهُ لمعذرون، وإنَّ الذين افتدوهُ بأرواحِهم لهمُ الرابحون.

إنَّهُ ابنُ عبد اللهِ، محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، رسولُ اللهِ إلى الناسِ كافة.

لقد آتاهُ اللهُ من أنْعُمهِ بالقدرِ الذي يجعلهُُ أهلاً لحملِ رايتهِ، والتحدثِ باسمهِ، بل ويجعلهُ أهلاً لأن يكونَ خاتمَ رسلهِ، ومهما تتبارَ الأقلام والألسن مُتحدثةً عنهُ، فستظلُ جميعاً كأن لم تبرح مكانَها، ولم تحرك بالقولِ لسانَها، وليسَ عندَ الخلقِ شيءٌ يُضيفُون في الثناءِ على رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- بعد أن أثناء عليه ربُّ الأرضِ والسماء: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ).

لقد أثنى اللهُ تعالى على خيرةِ خلقهِ بأن ذَكرَ أبرزَ أخلاقهم، فقال عن إبراهيمَ: (( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ) ) (هود:75) .

وقال عن أيوب: (( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) ) (ص:44) .

أما هذا الوصفُ الجامعُ المانعُ فقد اختصَّ به رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- من دُونِ الخلقِ جميعاً، (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) (القلم: 4) .

أيُّها الأحبةُ في الله: إنَنَا حينما نستلهمُ الحديثَ عن رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- ، فإنَنَا لا نطمعُ في أن نُوفِّيهِ بعضَ حقهِ، ولا أزعمُ أنَّي أُقَدِّمُ الرسول العظيم، إنَّما هي إشارةٌ على استحياءٍ إلى بعضِ سِماتِهِ التي جعلت أفئدةَ الناسِ تهوي إليه ، والتي جذبت النفوسَ إليهِ في ولاءٍ لا نظيرَ له .

وأن نبصرَ بعضَ سِماتِ عظمتهِ النادرةِ، التي جذبت إليهِ ولاءُ المؤمنين، وجعلتهم يَرونَه الهدفَ والطريق، والمعلِّمَ والصديق.

ولنا أن نتساءَلَ: ما الذي جعلَ سادةَ قومهِ يُسارِعُون إلى كلماتهِ ودينه؟ أبو بكرٍ وطلحةَ والزبير، وعُثمانَ وغيرهم، مُتخلينَ بهذهِ المُسارِعةِ المؤمنةِ عن كلِّ ما كانَ يُحيطُهم به قومهم من مجدٍ وجاه ، مستقبلينَ في نفسِ الوقتِ حياةً تمورُ موراً شديداً بالأعباءِ وبالصعابِ وبالصراع ؟!!

ما الذي جعلَ ضعفاءَ قومهِ يلوذُونَ بحماه، ويَهرَعُونَ إلى رايتهِ ودَعوتهِ، وهم يُبصرُونَهُ أعزلَ من المالِ ومن السلاح، ينزلُ بهِ الأذى، ويُطارِدُهُ الشرُ في تحدٍ رهيب، دُونَ أن يملكَ- عليه الصلاة والسلام- لهُ دفعا!؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت