أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واذكروا أيام الله لعلكم تذكرون واذكروا أيام الله بنصر أوليائه لعلكم تشكرون واذكروا أيام الله بخذلان أعدائه لعلكم تتقون واذكروا أيام الله إذا نزل للقضاء بين عباده فقضى بينهم بفضله وعدله لعلكم توقنون إن نصر الله لأوليائه في كل زمان ومكان وأمة انتاصر للحق وذلة للباطل وأخذ للمتكبر ونعمة على المؤمنين إلى قيام الساعة لقد أرسل الله موسى صلى الله عليه وعلى نبينا وإخوانهما من النبيين والمرسلين أرسله إلى فرعون بالآيات والسلطان المبين إلى فرعون الذي تكبر على الملأ وقال: أنا ربكم الأعلى فجاءه موسى بالآيات البينات ودعاه إلى توحيد رب الأرض والسماوات فقال فرعون منكرا وجاحدا: وما رب العالمين فأنكر الرب العظيم الذي قامت بأمره الأرض والسماوات وكان له آية في كل شيء من المخلوقات فأجابه موسى: هو رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ففي السماوات والأرض وما بينهما من الآيات ما يوجب الإيقان للموقنين فقال فرعون لمن حوله ساخرا ومستهزئا بموسى: ألا تستمعون فذكره موسى بأصله وأنه مخلوق من العدم وصائر إلى العدم كما عدم آباؤه الأولون فقال موسى هو: ربكم ورب آبائكم الأولين وحينئذ بهت فرعون فادعى دعوى المكابر المغبون فقال: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون فطعن بالرسول والمرسل فرد عليه موسى ذلك وبين له أن الجنون إنما هو إنكار الخالق العظيم فقال: رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون فلما عجز فرعون عن رد الحق لجأ إلى ما لجأ إليه العاجزون المتكبرون من الإرهاب فتوعد موسى بالإعتقال والسجن وخاب فقال: لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ولم يقل: لأسجننك ليزيد في إرهاب موسى وإن لدى فرعون من القوة والسلطان والنفوذ ما مكنه من سجن الناس الذين سيكون موسى من جملتهم على حد تهديده وإرهابه وما زال موسى يأتي بالآيات كالشمس وفرعون يحاول بكل مجهوداته ودعاياته أن يقضي عليها بالرد والطمس حتى قال لقومه: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين وكان من قصة إغراقهم أن الله أوحى إلى موسى أن يسري بقومه ليلا من مصر فاهتم لذلك فرعون اهتماما عظيما فأرسل في جميع مدائن مصر أن يحشر الناس للوصول إليه لأمر يريده الله فجمع فرعون قومه وخرج في إثر موسى متجهين إلى جهة البحر الأحمر: فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون البحر من أمامنا فإن خضناه غرقنا وفرعون قومه خلفنا فإن وقفنا أدركنا فقال موسى: كلا إن معي ربي سيهدين فلما بلغ البحر أمره الله أن يضربه بعصاه فضربه فانفلق البحر اثنى عشر طريقا وصار الماء السيال بين هذه الطرق كأطواد الجبال فلما تكامل موسى وقومه خارجين وتكامل فرعون بجنوده داخلين أمر الله البحر أن يعود إلى حاله فانطبق على فرعون وجنوده فكانوا من المغرقين فانظروا رحمكم الله إلى ما في هذه القصة من العبر والآيات كيف كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفا من موسى فتربى موسى في بيته تحت حجر امرأته وكيف قابل موسى هذا الجبار العنيد مصرحا معلنا بالحق هاتفا به ألا إن ربكم هو الله رب العالمين فأنجاه الله منه وكيف كان الماء السيال شيئا جامدا كالجبال بقدرة الله وكان الطريق يبسا لا وحل فيه في الحال وكيف أهلك الله هذا الجبار العنيد بمثل ما كان يفتخر به فقد كان يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته فأهلك بالماء ولا شك أن ظهور آيات الله في مخلوقاته نعمة كبرى يستحق عليها الحمد والشكر خصوصا إذا كانت في نصر أولياء الله وحزبه ودحر أعداء الله وحزبه ولذلك لما قدم النبي المدينة وجد اليهود يصومون اليوم العاشر من هذا الشهر شهر المحرم ويقولون إنه يوم نجى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فقال النبي: (( احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ) )فينبغي للمسلم أن يصوم يوم عاشوراء وكذلك اليوم التاسع لتحصل بذلك مخالفة اليهود التي أمر الرسول بها أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم. . . الخ.
سليمان بن حمد العودة
بريدة
جامع الراشد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-عناية الله بموسى وولادته ونشأته في سجن قلب العدو رغم حذر فرعون من ولادة الطفل الذي يهلك عرشه 2- نجاة موسى من بطش فرعون 3- محاجة موسى لفرعون وغلبته عليه بالحجة 4- غلب موسى للسحرة وإيمانهم به 5- المؤمنون بموسى من آل فرعون 6- أمر الله لبني إسرائيل بالصلاة والصبر، والإذن لهم باتخاذ بيوتهم مساجد 7- هلاك فرعون الطاغية 8- يوم عاشوراء
الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله يا عباد الله، ثقوا بنصر الله إذا توفرت أسبابه من الصدق والإخلاص والاستقامة على شرعه والتضرع بين يديه ورجائه والخوف منه وحده دون سواه.
ايها المسلمون: تكثر القصص في القرآن بشكل عام، وفي كل قصة عبرة، وما يعقلها إلا العالمون.
وتحكى قصص القرآن صوراً للصراع القديم بين الحق المؤيد من السماء والباطل الذي يلوذ به الملأ والكبراء خداعاُ وعناداُ واستكبار وحفاظاُ على الذوات ليس إلا ، كما تكشف القرآن عن مواقف المؤمنين وحقيقته وآثار الإيمان ومواقف الظالمين ونهاية الفجار.
ولئن كانت القصص تشغل مساحة عريضة في القرآن. فإن قصة موسى عليه السلام مع فرعون تتميز بكثرة عرضها وتنوع مشاهدها وهي من أطول قصص الانبياء عليهم السلام في القرآن، فما الحكمة من كثرة ذكرها؟
قال المفسرون: لأنها من أعجب القصص. فإن فرعون حذِر من موسى كل الحذر فسخره القدر لتربية هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد ثم ترعرع ، وعقد الله له سببا من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم.
وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويؤمن برسالة الله ، وليس له وزير سوى أخيه هارون عليه السلام، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية والنفس الخبيثة الأبية، وقوي رأسه وتولى بركنه، وادعى ما ليس له، وتجرأ على الله وعتا وبغى، وأهان حزب الإيمان من بنى إسرائيل.
والله تعالى يحفظ رسوله موسى وأخاه هارون _ عليهما السلام _ ويحوطهما بعنايته ويحرسها بعينه التى لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلات والآيات تقوم على يدي موسى شيئاُ فشيئاُ، ومرة بعد مرة مما يبهر العقول ويدهش الألباب، ومما لا يقوم له شيء ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله . وما نريهم من آية إلا هى أكبر من أختها [الزخرف:48] .
وصمم فرعون وملؤه - على التكذيب بذلك كله .. حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد وأغرقهم في صبيحة واحدة: فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (1) [1] .
اجل أخوة الإيمان: لقد تعمد فرعون قتل أبناء بني إسرائيل، لأنه بلغه أن غلاماً منهم سيولد ويكون هلاك ملك مصر على يديه، فانزعج لذلك وأمر بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل حذراً من وجود هذا الغلام - ولا يغني الحذر عن القدر -.