أيها المؤمنون إن من الإحسان إلى الجار الحرص على بذل الخير له قليلا ًكان أو كثيراً كما قال الله تعالى: ?لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ? (7) وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ) ) (8) فرسنُ الشاة هو حافرها، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (أي لا تحقرن أن تهدي إلى جارتها شيئاً ولو أنها تهدي مالا ينتفع به في الغالب) (9) . والمقصود أن يتواصل الخير والود والبر بين الجيران، ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك ) ) (10) .
وأولى الناس بالإحسان من الجيران أقربهم منك باباً ففي البخاري من حديث عائشة قالت: (( يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي قال صلى الله عليه وسلم: إلى أقربهما منك باباً ) ) (11) .
وأما ثاني الحقوق فهو كف الأذى عنهم، ففي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) ) (12) و لهما عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن , قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه ) ) (13) أي لا يأمن شره وخطره وفي رواية لمسلم قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ) (14) . وهذا فيه تعظيم حق الجار ووجوب كف الأذى عنه، وأن إضراره من كبائر الذنوب وعظائم المعاصي وقد عظم الله جل وعلا إلحاق الأذى بالجار وغلظ فيه العقوبة ففي الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ فقال: (( أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك , قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك ) ) (15) وفي مسند الإمام أحمد قال صلى الله عليه وسلم: (( لأن يسرق من أهل عشرة أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره ) ) (16) .
و أما ثالث الحقوق الكبرى فهو احتمال الأذى منهم والصبر على خطئهم والتغافل عن إساءتهم ففي مسند الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله عز وجل يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة ) )وذكر في الثلاثة الذين يحبهم (( رجل كان له جار سوء يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت ) ) (17) .
الخطبة الثانية
أما بعد. .
أيها المؤمنون إن للجوار في دين الإسلام حقاً عظيماً حتى إن جبريل أعاد في أمر الجار وأبدى تأكيداً لحقه وبياناً لحرمته، فاتقوا الله عباد الله فإن الكرام خيار الناس للجار، وقد قيل:
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ولم يعلموا جاراً هناك ينغص
فقلت لهم: كفوا الملام فإنما بجيرانها تغلو الديار وترخص
أيها المؤمنون إن الجار الذي تجب له تلك الحقوق هو الذي يعد في العرف جاراً وليس لذلك ضابط من عدد أو غيره فالمرجع في تحديد من هو الجار يعود إلى عرف الناس فكل من عده الناس جاراً لك فهو جار تجب له تلك الحقوق وأكثرهم فيها من كان أقربهم منك باباً.
أيها المؤمنون إن الناظر في واقع الناس اليوم يرى كيف أن الدنيا قد استولت على قلوب كثير من الناس فعصفت بكثير من الأخلاق والقيم وأنست كثيراً من الحقوق والواجبات الشرعية فتباعدت القلوب وتنافرت النفوس، فعق الولد أباه، وقطع الأخ أخاه، وهجر الجار جاره، فضاعت الحقوق، وقامت سوق القطيعة والعقوق إلا من رحم الله، فكم هم الذين أساؤوا إلى جيرانهم فمنعوهم الإحسان وبذلوا لهم القطيعة والأذى، فاتقوا الله عباد الله وأحسنوا إلى جيرانكم، مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، ابذلوا لهم الخير ما استطعتم وردوا عنهم الشر ما ملكتم، تلطفوا إليهم بالهدية والزيارة فإن لم تجدوا خيراً تبذلونه فلا أقل من كف الشر عنهم.
(1) النساء:36 .
(2) أخرجه البخاري في كتاب الأدب برقم6015 وأخرجه مسلم في البر والصلة والآداب برقم 2625.
(3) النساء: 36.
(4) أخرجه مسلم في الإيمان برقم 48.
(5) أخرجه البخاري في كتاب الأدب برقم 6019 وأخرجه مسلم في الإيمان برقم 47.
(6) أخرجه مسلم في الإيمان برقم 45.
(7) الطلاق:7.
(8) أخرجه البخاري في الأدب برقم 6017 و أخرجه مسلم في الزكاة برقم 1030.
(9) الفتح 10/445.
(10) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب برقم 2625.
(11) أخرجه البخاري في الأدب برقم 6020.
(12) أخرجه البخاري في كتاب الأدب برقم 6018 وأخرجه مسلم في الإيمان برقم 47.
(13) أخرجه البخاري في الأدب برقم 6016.
(14) أخرجه مسلم في الإيمان برقم 46.
(15) أخرجه البخاري في تفسير القرآن برقم4477 وأخرجه مسلم في الإيمان برقم 86.
(16) أخرجه أحمد من حديث المقداد بن الأسود برقم 23342.
(17) أخرجه أحمد من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ( رقم 21020 ) .
الخطبة الأولى
أما بعد...
فاتقوا الله عباد الله وطهروا قلوبكم من الأمراض والآفات والرذائل والآثام فإن القلب سيد الجوارح فهي منقادة له يستعملها ويستخدمها كيف شاء فالجوارح آلات له في سعيه وسيره ومنه أي من القلب تكتسب الجوارح الاستقامة أو الضلالة ويشهد لهذا ويدل عليه ما أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ) (1) . فالقلب أشرف الأعضاء وأعظمها خطراً وأكثرها أثراً وأدقها أمراً وأشقها إصلاحاً، فبالقلب يسير العبد إلى ربه ويتعرف عليه فهو العامل لله والساعي والمتقرب إليه، ولما كانت هذه منزلته ومكانته كان زلله والعياذ بالله عظيماً خطيراً وزيغه فظيعاً، أدناه قسوة وميل عن الله تعالى ومنتهاه ختم وطبع وكفر بالله تعالى ولذا فإن آكد ما يجب عليك يا عبد الله أن تصلح قلبك وأن تطهره من الآفات والآثام التي تهلك القلب وتوبقه فإن الأمر كما قال الأول:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة و إلا فإني لا إخالك ناجيا
أيها المؤمنون إن من أخطر الآفات التي تفسد القلب وتصرفه عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه الحسد.