فهرس الكتاب

الصفحة 8160 من 9994

[17] رواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح الإسناد وهو حديث حسن ( الأذكار: 339)

[18] رواه البزار ، تفسير ابن كثير 4/188 .

[19] تفسير ابن كثير 4/188.

الحمد لله يهدي ويضل، ويعز ويذل وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أنه هو البر الرحيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن سار على دربه إلى يوم الدين .

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون حق التقوى .

بعيداً عن جو هذا الزمان القاتم بغبار الالتزام الأجوف والمشوه بقتر السلبية المفرطة والمظهرية الجوفاء، نحلق في فضاء الجيل السالف المعطر بورود الإيجابية، ونتفيؤ ظلال شجرة البذل والعطاء والتضحية والفداء .

نعود بذكرياتنا إلى الصور الرائعة لماضينا المجيد حيث يتجلى الإيمان الحق وتبرز حقيقة الهم لهذا الدين، وتظهر الغيرة الحقيقية على دين الله .

إن الإيمان إذا خالفت بشاشته القلوب استحكم الولاء له وكان العطاء للدين سخياً غاية السخاء لأنه معاملة مع كريم وتلقٍ لمننن من إله عظيم .

وإذا كانت الحياة تقدم فداء للدين وثمناً للدينه فهي كذلك تسخر لخدمة الدين وللعطاء له، إذ كل ما فيها لله، وإذا هي حياة أوقفت كلها لله .

هذا نوح عليه السلام يخاطب ربه (( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً ) ) (نوح:5) .

ثم قال: (( ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ) ) (نوح:6-7) .

إنه الجهد الدائم الذي لا ينقطع ولا يمل ولا يفتر ولا ييأس أمام الإعراض ألف سنة إلا خمسين عاماً .

ماذا بقى من حياة نبي الله نوح لم يُسخّر لدعوته ولم يبذل لرسالته الليل والنهار الجهر والإسرار كلها لله حياة أوقفت كلها لله .

ثم سرح طرفك في مسيرة أنبياء الله ورسله لتقف أمام نبي الله يوسف السجين الغريب، الطريد الشريد الذي يعاني ألم الغربة وقهر السجن وشجى الفراق وعذاب الظلم، في هذا كله وبين هذا كله في زنزانة السجن يسأله صاحبا السجن عن تعبير الرؤيا فلا يدع نبي الله يوسف الفرصة تفلت، ولا تنسيه مرارة المعاناة القاسية واجب العمل لله والعطاء لدينه فإذا به يحول السجن إلى مدرسة للدعوة، ويرى أن كونه سجيناً لا يعفيه أبداً من تصحيح الأوضاع الفاسدة والعقائد المنحرفة فإذا به ينادى في السجن (( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ) (يوسف:39) .

فاسمعوا يامعشر الأحرار الطلقاء، وتمضي قافلة العظماء من الأنبياء لتنتهي بسيدهم وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم والذي سُئلت عنه عائشة رضي الله عنها، أكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي جالساً قالت: نعم، بعدما حطمه الناس، وهو النبي الذي قال الله عز وجل عنه (( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ) (التوبة:128) .

ويقول: فلعلك باخع نفسك ، وإن الإنسان ليأخذه الدهش والعجب كما تغمره الروعة والخشوع وهو يستعرض ذلك الجهد الموصول من الرسل عليهم صلوات الله وسلامه لهداية البشرية الضالة المعاندة .

جهود موصولة ، وتضحيات نبيلة لم تنقطع على مدار التأريخ من رسل يستهزأ بهم ويحرقون بالنار أو ينشرون بالمنشار أو يهجرون الأهل والديار حتى تجيء الرسالة الأخيرة فيجهد فيها محمد صلى الله عليه وسلم ذلك الجهد المشهود المعروف هو والمؤمنون معه، ثم تتوالى الجهود المضنية والتضحيات المذهلة من القائمين على دعوته في كل أرض وفي كل جيل .

وهكذا تسير ركاب المؤمنين برسالات الله لاتدع فرصة للعمل للدين نفلت ولا فرصة للعطاء للدين تضيع، كل عطاء يقدم مهما كان قليلاً، وكل جهد يبذل ولو كان يسيراً .

هذا الرجل الكفيف الأعمى عبدالله بن أم مكتوم رضي الله عنه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عذره الله في قرآنه: (( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ) ) (النور:61) .

لم ير أن يسعه انه يدع فيها فرصة لخدمة الدين تفلت منه، ولتكن هناك في مواقع القتال وميدان النزال فيصحب كتائب المسلمين ويطلب أن توكل إليه المهمة التي تناسبه فقال: إني رجل أعمى لا أفر فأدفعوا لي الراية أمسك بها، وتحمل كتب التاريخ أنباء ابن أم مكتوم وأنه كان أحد شهداء القادسية يوم غشيته الرماح فلم تصادف فراراً ولا مولياً، ولا معطياً دبره في قتال.

وهذا ضمام بن ثعلبة يأتي مسلماً ويسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يجيب عليه فيأتيه الجواب بأن عليه الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام، حتى إذا عرفها آمن بها ثم قال: يارسول الله والله لا أزيد على هذه ولا أنقص لكنه لا يرى ولا يرى أن العمل للدين داخل فيما تحلل منه فينقلب إلى قومه داعياً إلى الله يقول لهم ياقوم بئست اللات بئست العزى، ويظل بين ظهرانيهم حتى لا يبقى بيت من بيوتهم إلا دخله الإسلام .

إنها نقطة في بحر الإيجابية الذي خاضه أسلافنا فأثمر جهادهم وبذلهم أعظم إنجاز يوم طوي بساط المشرق إلى الصين وبساط المغرب إلى المحيط تفتحه كتائب المجاهدين من الصحابة والتابعين ما كان هذا الإنجاز ليتحقق إلا على أيدي رجال يعلنون في كل موقعة قائلين: إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .

إن هذا المعنى العظيم معنى العطاء للدين والبذل له وتسخير الحياة من أجله حتى إذا الحياة كلها بليلها ونهارها، وإذا النفس بمشاعرها ووجدانها وبكل طاقاتها مسخرة لهذا الدين .

هذا المعنى توارى أو خفت في نفوس كثير من المسلمين بل ضعف في نفوس الشباب المتدين ذاته .

لقد قال جل وعلا: (( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (الحديد:25) .

وقد قام بالنصرة بالسيف طائفة من المؤمنين وهم المجاهدون الصادقون وقام بالهداية بالكتاب بعض العلماء وطلاب العلم والدعاة والعاملين ، وهاتان الطائفتان هم بقية الخير في الأمة الذين قاموا بما يجب عليهم نحو دينهم، فنجوا بصلاحهم وإصلاحهم: (( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) ) (هود:117) .

وبقيت في الأمة جموع غفيرة تتفرج على معركة الإسلام مع خصومه، وكثير منهم ممن ينتسب إلى الصحوة المباركة، فحبهم للإسلام وحميتهم على الدين لا تتجاوز عبارات الإعجاب بالمجاهدين والمصلحين وعبارات الذم والتشنيع على الكافرين وهذا وإن كان خيراً إلا أنه لا ينصر ملة ولا ينقذ أمة .

بل من هذه الجموع فئة مجالسهم تحليل وتنظير بلا عمل ولا إنتاج جل حديثهم نقد لفلان وتفسيق لعلان ، وذم لهذا، وإسقاط لذاك، وإن بحثت عنهم في ميدان البذل للدين لم تجد لهم أثراً ولم تسمع عنهم خبراً، يبدعون في لوم العاملين، وتخطئة المجتهدين وإن قيل لهم تعالوا فاعملوا لدين الله أو ادفعوا أطرقوا بالرؤوس وهم يجمحون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت