فهرس الكتاب

الصفحة 8714 من 9994

فتكلم بما لا يفيد، وختم له بسوء عياذاً بالله، أفلا يخشى الذين يتركون الصلاة تلو الصلاة ثم يوعظون فلا يستجيبون، ألا يخشى هؤلاء أن يختم لهم بسوء؟ هؤلاء الذين جعلوا مصدر رزقهم غش المسلمين وجلب وتوفير ما يضرهم في دينهم ودنياهم للمسلمين، مع عدم قبولهم للنصح، ألا يخشى هؤلاء وأولئك وغيرهم ممن أصر على المعصية حتى أحبها؟ ألا يخشون أن يختم لهم بسوء؟

هذه بعض أسباب سوء الخاتمة وأنني لأحذر نفسي وإياكم أن يكون فينا سبب من هذه الأسباب وإياكم والتسويف بالاستعداد فإن العمر قصير.

أيها المسلمون: وهناك بعض العلامات الدالة على سوء الخاتمة وهي كثيرة فبعضهم يظهر عليه ذلك عند اشتداد المرض فيقع في التسخط والاعتراض على قضاء الله.

ومنهم من يتلفظ عند احتضاره بكلام يغضب المولى أو يحال بينه وبين كلمة التوحيد، وبعضهم ربما ظهر عليه ذلك عند تغسيله كسواد اللون وغيرها من العلامات.

قال الحافظ بن رجب الحنبلي - رحمه الله: قال عبد العزيز بن أبي رواد: حضرت رجلاً عند الموت يلقن الشهادة لا إله إلا الله فقال آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبدالعزيز يقول: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته.

ومنذ سنوات جرت حادثة في بلادنا وحاصلها أن رجلاً في حال احتضاره ظهر عليه من الاعتراض على ربه ما ظهر، فجاء بعض أصحابه ممن كان يصلي معه في المسجد - والله أعلم بما في القلوب - وقال: يا عبد الله هذا المصحف الذي كنت تقرأ فيه فاتق الله، ولقنه كلمة التوحيد، فقال هو كافر بالمصحف وبلا إله إلا الله وختم له على ذلك نعوذ بالله من الخذلان، وقال ابن أبي الدنيا رحمه الله: حدثني أبو الحسن بن أحمد قال:"نزل الموت برجل كان عندنا فقيل له: استغفر الله فقال: ما أريد … فقيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: ما أقول ثم مات …".

هذا بعض ما ورد عند الاحتضار. .

أما ما ورد عند التغسيل فكثير جداً من ذلك ما ذكره القحطاني:"لقد جيء بميت فلما ابتدأنا بتغسيله انقلب لونه كأنه فحمة سوداء وكان قبل ذلك أبيض البشرة فخرجت من مكان الغسيل وأنا خائف فوجدت رجلاً واقفاً، فقلنا له: هذا الميت لكم؟ قال: نعم، قال: قلنا: أنت أبوه؟ قال: نعم: قلت: ما شأن هذا الرجل؟ قال: هذا الرجل كان لا يصلي، قلت: فخذ ميتك فغسله"نعوذ بالله من سوء الختام.

اللهم إنا نسألك بأسمائك العلى وصفاتك الحسنى أن تختم لنا بما يرضيك عنا، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها وخير ساعاتنا ساعة لقائك، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا.

أقول ما تسمعون. . .

الخطبة الثانية

أما بعد:

أيها المسلمون: اتقوا الله حق تقواه. .

أيها المسلمون: فكما ذكرنا الأسباب المؤدية إلى سوء الخاتمة فيجدر بنا أن نذكر شيئاً من أسباب حسن الخاتمة علنا نأخذ بها.

فأول هذه الأسباب:

تقوى الله عز وجل في السر والعلانية والعمل بطاعة الله والمحافظة على الواجبات والانتهاء عن المنهيات وأن يحذر العبد من الذنوب أشد الحذر فإن الكبائر موبقات، وكثرة الصغائر مع عدم التوبة ران على القلوب قال صلى الله عليه وسلم: (( إياكم ومحقرات الذنوب، إنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ) ).

ومن الأسباب المؤدية إلى حسن الختام:

المداومة على ذكر الله عز وجل وشكره، فمن داوم على ذكر الله وختم به جميع أعماله كان آخر ما يقوله من الدنيا: لا إله إلا الله، ونال بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، عندما قال: (( من كان آخر كلام لا إله إلا الله دخل الجنة ) )، ثم ليعلم المسلم أن الدنيا دار ممر وليست دار مقر، فإذا علم ذلك جعل الدنيا في يده لا في قلبه وليكثر من قول: يا مقلب القول ثبت قلبي على دينك.

فاتقوا الله عباد الله واعملوا بطاعة الله واجتنبوا أسباب سخط الله عز وجل وموجبات عقابه.

ألا وصلوا عباد الله على خير خلق الله. .

وليد بن إدريس المنيسي

مينيسوتا

دار الفاروق

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-بشارة وتخويف. 2- أقسام الناس في الخاتمة. 3- علامات حسن الخاتمة. 4- وقائع عن سوء الخاتمة.

الخطبة الأولى

وبعد: عن أبي هريرة وسهل بن سعد رضي الله عنهما أن النبي قال: (( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها ) )رواه البخاري ومسلم.

في هذا الحديث الشريف بشارة وتخويف، بشارة لمن تاب وأصلح عمله قبل الموت بأنه إذا ختم له بعمل أهل الجنة كان من أهلها، وتخويف للمؤمن الطائع من أن يزل ويعمل بعمل أهل النار خشية أن يحضره أجله وهو على هذه الحالة فيدخلها والعياذ بالله.

وللناس في خاتمتهم على أقسام:

1-أشرفها من كان في حياته مؤمنًا صالحًا فلما قرب أجله ازداد اجتهادًا في العبادة، فمات على أكمل أحواله، وعلى رأس هؤلاء رسول الله ، فإنه لما قرب أجله اعتكف في رمضان عشرين يومًا، وكان قبل ذلك يعتكف في كل عام عشرة أيام، وختم القرآن على جبريل مرتين في رمضان، وكان يختمه عليه قبل ذلك مرة، وحج حجة الوداع ، وكان يقول: (( ما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي ) ).

2-من كان في حياته كافرًا أو فاسقًا فلما قرب أجله أسلم وتاب واستقام وحسن عمله، فمات على ذلك، كالرجل الذي قتل مائة نفس ثم تاب، وذهب إلى قرية فيها صالحون ليعبد الله معهم، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة، والحديث في الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه.

3-من كان في حياته كافرًا أو فاسقًا فازداد قبل حلول أجله فسقًا وكفرًا، فمات على أسوأ أحواله.

4-من كان في حياته مؤمنًا ثم كفر أو صالحًا ثم فسق والعياذ بالله تعالى، فمات على ذلك، فهذا أعظمهم حسرة وندامة، وهذه التي خافها الصالحون. قال سفيان الثوري رحمه الله:"الذنوب أهون عليّ من هذه ـ وأشار إلى تبنة كانت في يده ـ وإنما أخاف من سوء الخاتمة، قال تعالى: وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217] ".

ولكن في الحديث بشارة بإذن الله لمن عمل بعمل أهل الجنة مخلصًا إذا بدا للناس وإذا خلا بنفسه؛ لأن النبي بين أن الذين يختم لهم بالسوء وكانوا يعملون عمل أهل الجنة إنما كانوا يعملون به فيما يبدو للناس، عن عمرو بن الحَمِق رضي الله عنه قال: (( إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله ) )قيل: كيف يستعمله؟ قال: (( يفتح له عملاً صالحًا بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله ) )رواه أحمد والحاكم وابن حبان وصححه الألباني في صحيح الجامع (301) ، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي: (( إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرًا قيض له قبل موته بعام ملكًا فيوفقه ويسدده حتى يقال: مات بخير ما كان يعمل، وإذا أراد الله بعبد سوءًا قيّص له قبل موته بعام شيطانًا فأضله وفتنه حتى يقال: مات بشر ما كان يعمل ) )رواه عبد بن حميد في مسنده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت