فهرس الكتاب

الصفحة 5295 من 9994

إعداد/ د. عبد العظيم بدوي

بين يدي السورة

سورةٌ مكية، وهي من أول ما نزل من القرآن، بل هي ثاني سورة بعد العلق، فعن جابر بن عبد الله أنّه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يحدّثُ عن فترةِ الوحْي: «فبينا أنا أمشي إذْ سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعتُ بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعدٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فجثيت منه حتى هويتُ إلى الأرض، فجئت أهلي فقلتُ: زَملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر. [البخاري: 4925، ومسلم: 161] .

وقد استفتحت بأمر النبيّ بترك النوم والفراش، وأن يُنذر قومه من قبل أن يأتيهم عذاب أليم، بما وقعوا فيه من الشرك، ثم وجهته صلى الله عليه وسلم إلى بعض الأمور التي يستعين بها على ما كُلف به. وذكرت بعض أهوالِ يوم القيامة، وما يلقاه الكافرون عمومًا، والوليد بن المغيرة خصوصًا، من العذاب الأليم في سقر، التي جعل الله عليها تسعة عشر من الملائكة لحكمةٍ بينتها الآيات.

ثم ذكرتِ السورة ما يكون من أهل الجنة من سؤالِ أهلِ النار: ما سلككم في سقر، وجواب أهل النار على هذا السؤال.

وخُتمت بالإنكار على المشركين إعراضهم عن التذكرة، لا لشيءٍ، إلا أنهم يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة، وليس للإنسان ما تمنى، فـ الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] ، وقد أنزل الذكر على محمد صلى الله عليه وسلم: فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة.

تفسير الآيات

قال تعالى: يا أيها المدثر أي المتغطّي بثيابه «قم» فقد جاء وقت الجهد والمشقة، قم فأنذر قومك، من قبل أن يأتيهم عذاب أليم، فقد صاروا على شفا حفرة من النار، بما هم مقيمون عليه من الشرك، واستعن على هذه المهمة الثقيلة الشاقة بهذه الأمور:

الأمر الأول: وربك فكبر، فإن الله هو العلي الكبير، وكل شيءٍ سواه حقير، وهذه حقيقة من أعظم الحقائق التي يجب أن يستشعرها الداعية، يجبُ على كلّ داعية أن يستشعر دائمًا جلال الله، وعظمته، وكبرياءَه، حتى يشعر بحقارة كل شيء دونه، فلا يهتمّ به، ولا يكترثُ له، ولا يخشاه، إنما يخشى الله وحده، ومتى استشعر الداعيةُ هذه الحقيقة مضى في طريقه يبلغ دعوة ربه، لا يخافُ لومة لائم، لأنه يعلم أنّ ربه وحده هو الكبير الذي يستحق أن يكبّره ويعظمه ويمجّده، وأنّ ما سوى الله فشيءٌ صغيرٌ صغيرٌ صغيرٌ، لا يملكُ لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام، فهذا نوحٌ عليه السلام يقولُ لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون [يونس:71] .

وهذا هودٌ عليه السلام لما قال له قومه: يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [هود:53-56] ونبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم لما خرج مهاجرًا مع صاحبه أبي بكر دخلا الغار، وجاء القوم في طلبهما حتى انتهوا إلى الغار، حتى قال أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن قال لأبي بكرٍ مُطمئنًا: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا» .

ولما قيل له صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه يوم حمراء الأسد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم لم يزدْهم ذلك القولُ إلا إيمانًا، كما قال تعالى: فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [آل عمران: 173] .

الأمر الثاني: وثيابك فطهر، قال المفسرون: العرب تريد بطهارة الثوب النزاهة والعفة، فتقول: فلان ذيله طاهرٌ، يعنون أنه رجلٌ عفيف وفلان ذَيله نجسٌ، يعني أنه ملطّخٌ بالقاذورات والفواحش. وعلى هذا فالطهارةُ هنا معنوية، والمقصود: طهّر قلبك، وطهّر نيتك، وطهّر صدرك، وطهر أعمالك، ولا يمنع مِن أن يكونَ المراد بالآية الطهارةَ الحسّيّة، فيكون المراد طهارة الثياب حتى تصحّ الصلاة فيها. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت