فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الثالث: والرجز فاهجر المراد بالرجز الأصنام والأوثان، كما قال تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور [الحج:30] ، والمعنى: اهجر الأصنام ولا تقع في عبادتها كما وقع فيها قومُك، وهو صلى الله عليه وسلم كان هاجرًا للأصنام من صغره، ولم يكره شيئًا في حياته كراهيته إياها. فالأمرُ بهجرها أمرٌ باستمرار هجرها، ولا يلزم من أمره بهجرها أن يكون غير هاجرها، وإنما هذه الآيةُ كقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي اتق الله [الأحزاب: 1] ، مع أنّه صلى الله عليه وسلم كان أتقى الناس لله وأخشاهم له، وكقول المؤمنين في صلاتهم: اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] ، مع أنهم مهتدون.
الرابع: ولا تمنن تستكثر لا تعط: العطاءَ تستكثره، سواء ما تعطيه لله أو ما تعطيه لعباد الله، لا تستكثر جهدًا تقدّمه من أجل الله في الدّعوة إليه، ولا تستكثر تضحية تضحّي بها لمصلحة الدعوة، فكلّ ما تقدّمه صغيرٌ وصغيرٌ وصغيرٌ، فعليك وعلى الدعاةِ مِن بعدِك أن تعلموا أنّ كلّ جُهْدِ تقدّمونه، وكل تضحية تبذلونها، فبتوفيق الله، ولولا اللَّهُ ما قدّمتم شيئًا، فلا تمنوا بما تقدمون، بل اشكروا الله أن هداكم لما تقدِّمون، فهو الذي وفقكم، وهو الذي أعانكم، وهو الذي اجتباكم واصطفاكم لهذه الوظيفة، فاشكروا الله سبحانه وغُضوا أبصاركم عما تقدّمون، فإنّ الإنسان إذا نظر إلى ما يقدّم استكثره، وإذا استكثره ترك العطاء وبخل به، والدعوة بحاجة إلى عطاء مستمر، وإذا أعطيت أحدًا شيئًا من مالك، أو شيئًا من عملك، أو شيئًا من وقتك، فلا تستكثره، ولا تمنّ به عليه، ولا تعطِ رجاءَ أن تأخذَ أكثر مما أعطيت، وليكنْ عطاؤُك للَّه، لا لشيء سواه.
الأمر الخامس: ولربك فاصبر اصبر على مشاقّ الدعوة، فإنها ثقيلةٌ وشاقةٌ جدًا، واصبر على ما يعترضك من عقبات وصعابٍ، واصبر على أذى المدعوين وتكذيبهم لك، وليكنْ صبرُك لله، لا لشيءٍ آخر، وهذه الآية كقوله تعالى: والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم [الرعد: 1] .
قوله تعالى: فإذا نقر في الناقور كقوله تعالى: فإذا نفخ في الصور [المؤمنون: 101] ، فالنّاقور هو الصور، والنقرُ هو النفخُ، إلاّ أنّ هذه الألفاظ في هذه الآية تعطي دلالةً لا تعطيها ألفاظُ الآية الثانية، فالنَّقْرُ صوتٌ شديدٌ يَدوِّي، فكأنه ينقرُ الآذان نقرًا، ومِنْ ثَمَّ وُصِفَ يومُ النَّقرِ بالعُسْرِ، فقال تعالى: فذلك يومئذ يوم عسير لا يُسْرَ فيه، إلا أنّ عُسرهَ مقيد بالكافرين كما قال تعالى: على الكافرين غير يسير فَفُهِمَ مِن ذلك أنّه يكون يسيرًا على المؤمنين إن شاء الله، وهذه الآية كقوله تعالى: يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر [القمر: 6- 8] . وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.