أيها المسلمون: إن هذه العقوباتِ المهلكة, والكوارثَ المفجعة, ليست ضرباً من الخيال، وليس فيها شيء من التهويل والمبالغة، فالله يقول: (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) ) (هود:102)
لكن الذي نشأ منذُ نعومةِ أظفاره في بحبوحةٍ من العيش, لم يذقْ مرارة َالجوع طرفةَ عين, حريٌ به أن يعجبَ مما سمعَ كلَّ العجب, لكنْ سلوا الآباء والأجداد الذين اصطلوا بنارِ الجوع, ولهيبِ الظمأ دهراً طويلا، وارتعدتْ فرائصهُم وقلوبُهم من قطاعِ الطريق، وعصاباتِ السطو في وضحِ النهار, يتضحُ أنَّه ليسَ في الأمرِ غرابةٌ من قريبٍ أو بعيد, فاعتبروا يا أولي الأبصار.
الخطبة الثانية
أيها المسلمون:
فإن للعقوباتِ أسباباً كثيرةً, ورد ذكرُ بعضهِا في الكتابِ والسنَّةِ، وجامعُها المعاصي والذنوبُ, والتكذيبُ والإعراضُ, فمن أسبابِ العقوباتِ المدمرة, والفواجعِ المهلكة, إقصاءُ الشريعة عن الحكمِ والتشريع, أو تطبيقُها على أضيقِ نطاق, مع المنةِ والأذى, والله يتوعدُ الأمة إن هي فعلتْ ذلك بالخزيِ والنكالِ في الحياةِ الدنيا, ولعذابُ الآخرةِ أشدُ وأبقى,: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ) [البقرة: من الآية85] .
ومن أسبابِ العقوباتِ في الدنيا قبلَ الآخرة, إشاعةُ الفاحشةِ في الذين آمنوا. وفي ذلك يقولُ ربنا جل جلاله: (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [النور:19] .
ومن إشاعةِ الفاحشة: الدعوةُ للاختلاط, ونزعِ الحجاب, وعرضُ الفساد والفنِ الرخيص, وبثُ السمومِ والأفكارِ المستوردة, مما لا يتسعُ المقام لسرده وفي الأثر: « وما أعلن قومٌ الفاحشة إلا عمتهم الأوجاعُ, والأسقامُ التي لم تكن في أسلافهم » .
ومن أسبابِ العقوبات: منعُ الزكاة ، تلك التي لو قامَ أثرياءُ المسلمين بأدائها لما وجدتَ بين المسلمين فقيراً, ولا محتاجاً, وأسمع إلى عقوبةِ الأمة حين تبخل بزكاةِ أموالِها, قال عليه الصلاة والسلام: « وما منع قومٌ زكاة أموالهم إلا منعوا القطرَ من السماء ولولا البهائمْ لم يمطروا » .
وقد يستخفُ أقوامٌ بهذه العقوبة, ويستطرفونها, لأنهم اعتادوا تدفقَ المياهِ ووفرتَها في بيوتِهم, لكنهم لو قلبوا النظر يمنةً ويسرة في البلادِ التي أصابَها القحطُ والجفاف, لعلموا أنهم كانوا واهمين, وعن الصراط لناكبين .
ومن أسبابِ العقوبات كذلك: تركُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر, والذي بتركهِ تستفحلُ الفاحشة, وتعمُ الرذيلة, ويستطيلُ الشر, وتخربُ البلادُ والعباد, واسمع لعقوبةِ الأمة حين تتخلى عن فريضةِ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر: ففي المسندِ وغيرهِ من حديثِ حذيفةَ t قال عليه الصلاة والسلام: « والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليبعثن الله عليكم عقابا منه, ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم» ( [1] ) ألا فضّ اللهُ أفواهاً, وأخرس ألسناً تريدُ لهذهِ الفريضةِ أن تموت.
ومن أسبابِ العقوباتِ كذلك: انتشارُ الظُلم في المجتمع, وغيابُ العدلِ فيه,فيأكلُ القويُ الضعيف, وينهبُ الغنيُ الفقير, ويتسلطُ صاحبُ الجاهِ والمكانة على المسالِم المسكين, وحين تسودُ هذه الأخلاقُ الذميمة، والخصالُ المنكرة, ولا تجدُ من يقولُ للظالِم أنتَ ظالم, فقد آن أوانُ العقوبة, واقتربَ أجلُها لو كانوا يفقهون. فعند الترمذي وأبي داود قال عليه الصلاة والسلام: « إن الناسَ إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه, أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه » ( [2] ) .
ومن أسبابِ العقوبات: فشو الربا وانتشارُه حيث تعاطاه الكثيرون، وأَلِفه الأكثر ون, وقلَّ له الناكرون, واللهُ يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) ) [البقرة:279] .
ويقول سبحانه: (( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) ) [البقرة:276] .
وذهابُ بركةِ المال, ومحقُ عائدهِ ونتاجهِ ملموسٌ مشاهد, يعترفُ به المرابون ضمناً أو تصريحاً, والعالمُ الإسلامي اليوم يعاني الأزماتِ الاقتصاديةِ الخانقة, لتورطهِ بتعاطي الربا, وإعراضِه عن الشرعِ المطهر, واستخفافِه بالوعيدِ الإلهي لأكلةِ الربا, ومدمنيه .
أيها المسلمون: أسبابُ العقوباتِ كثيرةٌ, والموضوعُ متشعبٌ وطويلٌ, لكنْ في الإشارةِ ما يُغني عن العبارة، وما لا يُدرك كلُه، لا يتُرك جُله .
اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين,
[1] - رواه الترمذي (2169) .
[2] -رواه الترمذي (2168) من حديث أبي بكر الصديقt .
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) )]آل عمران:102 [. (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) )] النساء:1 [ . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) )] الأحزاب:70-71[ .
أما بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار
أما بعد ، أيها المسلمون: