فهرس الكتاب

الصفحة 8826 من 9994

فيقولُ اللهُ تعالى في كتابهِ الكريم: (( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ) ) [النحل:113..112] .

في هاتين الآيتين الكريمتين يعرضُ القرآنُ الكريم مثلاً مضروباً, مُسَاقاً للعظةِ والعبرة, لقريةٍ من القرى كانت تنعمُ بأمنٍ واستقرار, وطمأنينةٍ ورغدٍ من العيش, يأتيها رزقُها من كل مكان, لا يعرفُ أهلُها الجوعَ والخوف, ولا الفاقةَ والحرمان, فهم في أوجِ لذاتِهم, وغايةِ سعادتهِم, لكنَّ أهلَ القريةِ المغفلين حكاماً ومحكومين, ظنوا أنَّ ذلك بسببِ حسبهِم ونسبهِم, ومكانتهِم عند الله تعالى, وأنهم يستحقون ذلك لفضلهِم وتميزهِم عند الناس, فتجرأَ المغفلون حكاماً ومحكومين, رؤساء ومرؤوسين, تجرءوا على انتهاكِ محارمِ الله, وتجاوزِ حدودهِ سبحانه, مغترينَ بإمهالِ اللهِ لهم, وصبرِه على انحرافهِم وظلمهِم وبغيهِم, فبدلاً من أنْ يشكروا ربهم, ويعترفوا بإحسانِه إليهِم, وتفضلِه عليهِم, ويلتزموا حدودَه ، ويعرفوا حقوقَه. إذا بهم يتنكرون للمنعِم العظيم ويتجرءون في سفهٍ وغرور على العزيزِ الحكيم، الذي يقول: (( يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) )ويقول: (( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) )فماذا كانتْ النتيجة, وما هي النهايةُ والعاقبة بعد ذلك الإمهالِ والصبرِ الجميل ؟! إنَّ القرآنَ الكريم يختصرُ العقوبةَ المدمرة, والنهايةَ الموجعة في كلمتين اثنتين,: (( فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (( .

إذاً فرغدُ العيش, وسعةُ الرزق, يتحولُ في طرفةِ عين, ولمحةِ بصر جوعاً يَذهبُ بالعقول, وتتصدعُ له القلوبُ والأكباد, وإذا البطونُ الملأ والأمعاءُ المتخمة, يتضورُ أصحابُها جوعا, ويصطلون حسرةً وحرمانا, وإذا الأمنُ الذي كانوا يفاخرون به الدنيا, وينسونَ في عجبٍ وغرور المتفضلَ به سبحانه, والمنعمَ به جل جلاله, إذا به ينقلبُ رعباً وهلعاً, لا يأمن المرءُ على نفسِه وعرضِه, فضلاً عن مالهِ وملكه. فانتشر المجرمون والقتلة يسفكونَ دماءَ الناس, وينتهكونَ أعراضَهم, ويحوزونَ أموالهَم وحوا صلَهم, وأصبح باطنُ الأرض خيراً من ظاهِرها, في تلك القريةِ البائسةِ المشؤومة, والقرآنُ الكريم حين يعرضُ بوضوحٍ وجلاءٍ مآلَ تلكَ القريةِ الظالمِ أهلُها, ويقررُ أنَّ ما أصابهَم هو بسببِ ما اقترفتُه أيديهِم من التمردِ والجحود, ونكران الجميل, حين يعرضُ القرآنُ ذلكَ كلَّه, فهو إنما يخاطبُنا نحن الحاضرين, ويخاطبُ غيَرنا, حتى يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها, يحذرُنا أن نقعَ في ذاتِ الخطأ الذي وقعوا فيه, فنؤولُ لذاتِ المآلِ الذي ألوا إليه, ولقد ذاقت هذه الأمة ألوناً من العقوباتِ المدمرةِ التي يشيبُ من هو لهِا الوالدان, ولولا أنَّ الذي سطَّرها في كتبهِم, ونَقلَ لنا أخبارَها في مصنفا تِهم, هم أئمةُ الإسلامِ المحققون, كابن كثير, والذهبي,وغيرهِما.لظننا ذلك ضرباً من الخيالِ والتهويل, فإليكم طرفاً مما حدثَ لهذه الأمة حينَ كفرتْ بأنعمِ الله, واستجابتْ لداعي الهوى والشيطان, لعلنا نتعظ ونعتبر, ونلجأ إلى ربنا إذ لا ملجأ من الله إلا إليه. ذكر ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ خبرَ الطاعون الذي أصاب مدينةَ البصرةَ العراقية قال: فمات في اليومِ الأول سبعون ألفا, وفي اليوم الثاني واحد وسبعون ألفا, وفي الثالث ثلاثةٌ وسبعون ألفا, وأصبح الناسُ في اليوم الرابع موتى إلا قليل من آحاد الناس. قال أبو النُفيد:وكان قد أدركَ هذا الطاعون قال: كنَّا نطوفُ بالقبائلِ وندفنُ الموتى, فلما كثروا لم نقوم على الدفن.فكنَّا ندخلُ الدار وقد مات أهلُها, فنسدُ بابهَا عليهم, وفي أحداثِ سنةِ تسعٍ وأربعين وأربعمائة من الهجرة ذكر ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ خبرَ الغلاءِ والجوعِ الذي أصابَ بغداد, بحيث خلتْ أكثرُ الدور, وسُدَّت على أهلِها الأبواب لموتِهم وفناءِهم, وأكلَ الناسُ الجِيفَ والميتةَ من قلةِ الطعام, ووجُد مع امرأةٍ فخذُ كلبٍ قد أخضَّر, وشَوَى رجلٌ صبيةً فأكلَها, وسقطَ طائرٌ ميت فاحتوشته خمسةُ أنفسٍ فاقتسموه, وأكلوه, ووردَ كتابٌ من بخار ى أنَّه ماتَ في يومٍ واحد ثمانيةَ عشرَ ألفَ إنسان, والناسُ يمرون في هذه البلاد, فلا يرون إلا أسواقاً فارغة, وطرقاتٍ خاليةٍ, وأبواباً مغلقةً, وجاء الخبرُ من أذربيجان أنَّه لم يسلمْ من تلك البلاد إلا العددُ اليسير جداً, ووقع وباءٌ بالأهوازِ وما حولها, حتى أطبق على البلاد, وكان أكثرُ سببِ ذلك الجوع, فكان الناسُ يشوونَ الكلاب, ويَنبشونَ القبور, ويشوونَ الموتى ويأكلونهم, وليس للناسِ شغلٌ في الليل والنهار إلا غسلُ الأمواتِ ودفنُهم, وكان يدفنُ في القبرِ الواحد العشرونَ والثلاثون. وذكرَ ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في أحداثِ سنةِ اثنتين وستين وأربعمائةٍ من الهجرة ما أصابَ بلادَ مصر من الغلاءِ الشديد, والجوعِ العظيم, حتى أكلوا الجيفَ والميتةَ والكلاب, فكان الكلبُ يباع بخمسةِ دنانير, وماتت الفيلة فأكلتْ ميتاتُها, وظُهِرَ على رجلٍ يقتلُ الصبيانَ والنساء, ويدفنُ رؤوسَهم وأطرافَهم, ويبيعُ لحومَهم، فقُتلَ وأُكلَ لحمُه, وكانت الأعراب يقَدَمون بالطعام يبيعونَه في ظاهرِ البلد, لا يتجاسرون على الدخول لئلا يُخطفَ, ويُنهبَ منهم, وكان لا يجسُر أحدٌ أن يدفنَ ميتَه نهاراً, وإنما يدفنُه ليلاً خُفيةً لئلا يُنبشَ قبُره فيؤكل, وفي سنةِ ثلاثٍ وتسعين وخمسمائةٍ من الهجرة, ورد كتابٌ من القاضي الفاضل: إلى ابن الزكي يخبُره فيه أنه في ليلةِ الجمعة التاسعِ من جمادى الآخرة، أتى عارضٌ ـ يعني سحاب ـ فيه ظلما تٌ متكاثفة, وبر وقٌ خاطفة، ورياحٌ عاصفةٌ، فقويَ الجو بها, واشتدَّ هبوبُها, فرجفتْ لها الجدرانُ واصطفقتْ, وتلاقتْ على بعدِها واعتنقتْ,وثار السماء والأرض عجاجا, حتى قيل: إن هذه على هذه قد انطبقت, ولا يحسب إلا أن جهنم قد سال منها وادٍ, وعاد منها عادٍ, وزادَ عصفُ الريح إلى أن أطفأَ سُرجَ النجوم, ومَزَّقت أديَم السماء, فكنا كما قال الله تعالى: (( يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ ) ) (البقرة: من الآية19) .

ويردونَ أيديهَم على أعينهِم من البوارق, لا عاصمَ لخطفِ الأبصار, ولا ملجأ من الَخطْبِ، إلا معاقلُ الاستغفار, وفرَّ الناس نساءً ورجالاً وأطفالا, ونفروا من دورِهم خفافاً وثقالا لا يستطيعونَ حيلةً ولا يهتدون سبيلا, فاعتصموا بالمساجدِ الجامعة، وأذعنوا للنَّازلة بأعناقٍ خاضعة، وبوجوهٍ عانية، ينظرون من طرفٍ خفي, ويتوقعون أيَّ خطبٍ جلي, قد انقطعتْ عن الحياةِ عُقولُهم, وعميتْ عن النجاةِ طُرُقهم, ووردتْ الأخبار بأنها قد كُسِرت المراكبُ في البحار، والأشجارُ في القفار، وأتلفتْ خلقاً كثيرا ًمن الأسفار, إلى أن قال:ولا يحسبُ أحدٌ أني أرسلتُ القلمَ محرفاً, والعلم مُجوفاً، فالأمرُ أعظم ولكنَّ الله سلم. انتهى كلامه رحمه الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت