فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
د. أحمد محمد الدغشي
\ أسطورة حق التعبير في الغرب:
حقّاً إنها أسطورة مخجلة أن يظل بعض مثقفينا يردد بلا إدراك حصيف أن الغرب قِبلة الحُرّيات، ومهوى أفئدة المضطَهَدين على نحو من المبالغة المفرطة، والتقديس الفجّ. ولئن كان لذلك بعض البريق ذي الأساس المقدّر قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م ؛ فإن الأمر اختلف بعد تلك الأحداث إلى حدّ كبير؛ حيث كانت ذريعة حق الدفاع عن أمن الولايات المتحدة وحليفاتها الأوروبية ـ ولا سيما مع تكرار حدوث أعمال مشابهة جزئياً في بعض تلك البلدان ـ من وراء ذلك الانقلاب الكبير في الحقوق والحرّيات بمختلف تصنيفاتها. ومع أن العديد من النصوص والوقائع التي سنأتي على ذكرها توّاً تسبق أحداث سبتمبر، إلا أن القيود على حركة الحرّيات ازدادت أضعافاً مضاعفة بعد ذلك.
وإليك الآن الشواهد التالية:
ـ في أمريكا تم منع عرض مجموعة من الأفلام الوثائقية التي قام بإعدادها الصحفي البريطاني البارز (روبرت فيسك) ، لأنها أثارت غضب اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الذي هدّد شبكة التلفزيون بسحب الإعلانات ذات المردود المادي منها.
أما إذا سألت عن سرّ هذا الغضب فيأتيك الجواب أن مجموعة تلك الأفلام كان عنوانها (جذور غضب المسلمين) ، حيث اتهمت الصهيونية بأنها السبب الرئيس وراء نقمة المسلمين على الغرب. ولاحظ أن (فيسك) حاصل على جائزة الصحافة البريطانية لعام 1995م كأحسن صحفي بريطاني قادر على عرض الأخبار السياسية الدولية وتحليلها.
ليس ذلك فحسب بل إن كاتباً بحجم (نعوم تشومسكي) الذي حصل كتابه (الهيمنة أم البقاء: سعي أمريكا للسيطرة العالمية) على مرتبة أكثر الكتب مبيعاً عام 2002م، وتصفه بعض الصحف الأمريكية كصحيفة (نيويورك تايمز) بأنه يمكن اعتباره أهم مفكّر في العالم اليوم، هذا الكاتب وبهذا المستوى قلّما تتجرأ شبكات التلفزة الأمريكية على استضافته، بسبب آرائه الشهيرة التي عادة ما تزعج القادة والساسة الأمريكيين والصهيونيين على حد سواء. وقد حدث له في عام 1972م وبعد أن طبع أحد كتبه أن أوقف توزيع الكتاب وتم سحبه من السوق وإتلافه، بعد أن اطلع بعض أعضاء مجلس إدارة الشركة المالكة على محتوى الكتاب، الذي لم يَرُقْ لهم.
وهل يتعارض مع حرية التعبير ما أقدم عليه رئيس مجلس النواب الأمريكي الأسبق (نيوت جنجرييتش) من فصل مؤرخة تعمل بالمجلس حين علم أنها سبق أن قالت: «وجهة نظر النازيين بصرف النظر عن عدم شعبيتها لا تزال وجهة نظر، ولا تأخذ حقها في التعبير» .
وفي عام 1986م لم يستطع المؤلف (جورج جيلبرت) أن يجد ناشراً ليعيد طباعة كتابه (الانتحار الجنسي) على الرغم من أن كتب (جيلبرت) المنشورة في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي تصدرت قوائم المبيعات العالمية. والسبب في إعراض الناشرين هو الاحتجاج الصاخب الذي قامت به رائدات حركة تحرير المرأة ضدّه؛ لأن «اختلافات الرجل عن المرأة لا ينبغي حتى أن تدرس» حسب تعبير إحداهن في مقابلة عرضت على شبكة (A B C ) الأمريكية.
أما الممثلة البريطانية الشهيرة (فانيسا ريد جريف) فلم يسمح لها بأداء دورها في مسرحية كوميدية بريطانية أثناء عرضها في الولايات المتحدة بسبب تصريحاتها المعادية للتدخل الأمريكي ضدّ العراق في حرب الخليج.
الجدير ذكره أن أعمال (جريف) كثيراً ما تتعرض للمقاطعة أو الإلغاء من العرض في الولايات المتحدة بسبب آرائها المعادية للصهيونية وسياسات الدولة العبرية.
وإذا كانت (جريف) قد منعت من أداء دورها المسرحي فقط؛ فقد منع من دخول الولايات المتحدة مفكّرون وعلماء ومشاهير، من أمثال: أحمد ديدات، ويوسف القرضاوي، ويوسف إسلام؛ ناهيك عن آلاف غيرهم!
أما حرية الإعلام المباشر ونشر المعلومة فقد انكشف ذلك بلا أدنى ريب من خلال التعتيم الذي مارسته الإدارة الأمريكية على حظر نقل وقائع الحرب الأخيرة على أفغانستان والعراق، وقصف قناة (الجزيرة) في كابول، وقتل العديد من الصحفيين في العراق، وأبرزهم (طارق أيّوب) ، ثم إغلاق مكتب (الجزيرة) في بغداد، والأمر بسجن مذيعها الشهير (تيسير علّوني) في مدريد ومصوِّرها (سامي الحاج) في جوانتنامو. وأخيراً ما كشفته صحيفة (ديلي ميرور) البريطانية، وتأكيد رئيس تحريرها المشارك (كيفين ماغواير) من أن لدى صحيفته محاضر موثقة تكشف أن الرئيس الأمريكي (جورج بوش) أبلغ رئيس وزراء بريطانيا (توني بلير) خطة قصف قناة (الجزيرة) . وحين تزايدت المطالبة بكشف الحقيقة أُوعِز إلى النائب العام البريطاني بإصدار قرار يمنع الكشف عن الوثيقة أو نشرها.