فهرس الكتاب

الصفحة 4479 من 9994

ويستغرب المرء حين يجد أن مقدّسات المسلمين وحدها هي الكلأ المباح الذي لا يعاقب القانون مقترفه بأية عقوبة، بل يُردّ عليه بممارسة أسطورة حق (حرّية التعبير) . فحين تقدم صحيفة دانماركية (جيلاندس بوستن) في 26 شعبان 1426هـ الموافق 30 أيلول/ سبتمبر 2005م ـ وهي صحيفة ذائعة الصيت، وذات مصداقية كبيرة لدى الشعب الدانماركي ـ على إعلان مسابقة لرسم أحسن كاريكاتير للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-.

وبالفعل أرسل القراء أكثر من مائة صورة، تصور رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو يلبس عمامة مليئة بالقنابل والصواريخ، وتصوره وهو يصلي في أوضاع مهينة للغاية. وتم نشر حوالي 12 كاريكاتيراً علناً، وعلى مدار عدة أسابيع، وبمعرفة من الحكومة الدانماركية، وموافقتها بل وتأييدها، وبتفاعل الرأي العام الدانماركي معها.

وحين حاولت الجالية الإسلامية هناك، الدفاع عن الإسلام ومقدساته، وذلك بوقف نشر هذه الصور، رفض رئيس تحرير الصحيفة حتى مجرد مقابلتهم، بل وتضامنت كل الهيئات الحكومية مع الصحيفة، ورُفضت كل محاولات الجالية الإسلامية، حتى مع تطوّر الأمر إلى إعلان جملة إجراءات دبلوماسية كسحب السفراء أو استدعائهم من قِبَل بعض الدول الإسلامية، إلى جانب إعلان المقاطعة للمنتجات الدانماركية والنرويجية (إذ كانت صحيفة «مغازينات» النرويجية أعادت في 10 يناير 2006م ما نشرته الصحيفة الدانماركية سالفة الذكر) فإن عقيرة غلاة العلمانية تُرفع، وشعارات حرية التعبير والإبداع تُلقى في وجه كل معترض. وعلى هذا الأساس الهشّ تجاوبت صحف مماثلة في كراهية الإسلام في فرنسا وألمانيا التي تقوم الدنيا في أيّ منهما ولا تقعد إذا حدث أدنى تشكيك في حكاية المحرقة (الهولوكست) التي يصرّون ـ في دوغمائية لافتة ـ أنها حدثت لليهود، ثم تفاعل معهم في منطقتنا بعض المفتونين، أو المهووسين بفن (الإثارة) بأي ثمن، ومهما كانت النتائج، كما فعلت بعض الصحف في كل من الأردن ومصر واليمن.

هذا في حين أن القانون الدانماركي يحظر أي تهديد أو إهانة أو حط من شأن أي إنسان بصورة علنية، بسبب الدين أو العرق أو الخلفية الإثنية، أو التوجّه الجنسي. وبسبب ذلك القانون تعرّضت امرأة تعمل محرّرة صحفية لمحاولات تقديمها للمحاكمة، لأنها كتبت خطاباً للصحيفة تصف فيه الشذوذ الجنسي بأنه أسوأ أنواع الزنى. وكأن هذا القانون يشمل أي إنسان باستثناء النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-.

ومما له دلالة مباشرة على هذا ـ حسبما أورده موقع إسلام أون لاين في 8/ 2/ 2006م ـ أنه في الوقت الذي نشرت فيه صحيفة (جيلاندس بوستن الدانماركية) رسوماً كاريكاتيرية مسيئة إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدعوى حرية التعبير، رفضت الصحيفة نفسها نشر رسومات تسيء إلى المسيح عيسى ـ عليه السلام ـ خشية ردود الفعل الغاضبة من جانب قراء الصحيفة، حسبما نشر الموقع الإلكتروني لصحيفة (جارديان) البريطانية.

وقالت (جارديان) إنه في إبريل 2003م تبرع الرسام الدانماركي (كريستوفر زيلير) للصحيفة بسلسلة من الرسوم الساخرة تتعلق ببعث السيد المسيح من جديد.

غير أنها أشارت إلى أن الصحيفة الدانماركية «رفضت نشر الرسومات التي تسيء إلى المسيح، بدعوى أن نشر الرسوم لن يسعد القراء، وربما يؤدي إلى تعرض الصحيفة لانتقادات شديدة» .

وتسلم (زيلر) رسالة بريد إلكتروني من رئيس تحرير صحيفة «جينز كيسر» الدانماركية تقول: «لا أعتقد أن قراء الصحيفة ستروق لهم هذه الرسوم، بل أعتقد أنها ستثير مشاعر الغضب لديهم؛ لذا فلن أنشر الرسوم» ، وذلك بحسب الصحيفة البريطانية. ونقلت (جارديان) عن (زيلر) قوله تعليقاً على الرسوم: «الرسوم مجرد مزحة بريئة لدرجة أنها أضحكت جدي» .

غير أن رئيس تحرير الصحيفة الدانماركية أوضح من جهته أن الرسومات الكاريكاتيرية كانت سخيفة للمضي قدماً في نشرها في ذلك الوقت.

ـ في بريطانيا يتم التعامل مع المقدّسات وفق قانون خاص يسمى (BIASPHEMY LAW ) الذي يمنع سب المقدّسات؛ إذ يسري العمل بالقانون في كل من إنجلترا وويلز. ولكنه خاص بالمقدّسات المسيحية وحدها. ولذلك فعندما أعلن المخرج الدانماركي (جينز ثور سن) (لاحظ الدانماركي) اعتزامه إخراج فيلم في إنجلترا عن الحياة الجنسية للمسيح فقد أدى ذلك إلى موجة غضب عارمة في المؤسسات الدينية الأوروبية وعلى رأسها الفاتيكان وأسقفية (كانتر بري) ، وعلى الفور قام رئيس الوزراء البريطاني حينذاك (جيمس كالاهان) بالتحذير من أن أي محاولة لإخراج ذلك الفيلم في إنجلترا سوف تكون عرضة للمحاكمة تحت طائلة قانون (سب المقدّسات) مما أثنى المخرج عن إتمام إنتاج الفيلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت