فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وفي يونيو 1976م قامت صحيفة (News Gay ) الخاصة بأخبار الشواذ جنسياً من الرجال بنشر قصيدة للشاعر البريطاني (جيمس كيركوب) يصف فيها المسيح ـ عليه السلام ـ في أوضاع غير لائقة، مما أثار غضب اتحاد المشاهدين والمستمعين الإنجليز، الذي يتولى الرقابة الشعبية على كل ما ينشر في الصحف أو يعرض في وسائل الإعلام والأفلام السينمائية، وقامت رئيسة الاتحاد بمقاضاة رئيس تحرير الصحيفة والشركة التي تملكها وتتولى نشرها بتهمة سبّ المقدّسات.
وبالفعل تمت المحاكمة في شهر يوليو عام 1977، وبالرغم من محاولات الدفاع المستميتة في إقناع المحلّفين أن القصيدة لم تعنِ أو تضمر أيّة إساءة للدين النصراني، بل بالعكس كانت تصوّر العلاقة العاطفية التي تربط الشاعر بشخص المسيح ـ عليه السلام ـ إلا أن هيئة المحلّفين لم تقبل هذا الدفاع وأدانت الصحيفة بأغلبية عشرة أصوات مقابل صوتين بتهمة امتهان مشاعر المسيحيين في إنجلترا، والإساءة إلى مقدّساتهم، بعد قرار هيئة المحلّفين القاضي على رئيس التحرير بالسجن لمدّة تسعة أشهر مع وقف التنفيذ ودفع غرامة مقدارها (خمسمائة جنيه إسترليني) ، وعلى الناشر بغرامة مقدارها (ألف جنيه إسترليني) ، بالإضافة إلى تحمّل تكاليف القضية. وعلى الرغم من استئناف الصحيفة الحكم عام 1978م أمام القسم القضائي بمجلس اللوردات البريطاني، الذي يمثل أعلى سلطة قضائية في بريطانيا إلا أنها خسرت للمرّة الثالثة، حيث أقرّت المحكمة البريطانية العليا الأحكام السابقة الصادرة ضدّ رئيس التحرير.
بعد حكم المحكمة العليا جرت محاولات عِدّة لإنهاء العمل بقانون سبّ المقدّسات من خلال مجلس العموم البريطاني، إلا أن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يقبل مجلس العموم ولا مجلس اللوردات أي مساس بذلك القانون بالرغم من أنه يحمي الديانة المسيحية فقط من السبّ ويهمل بقيّة الديانات المنتشرة داخل بريطانيا، وأنه يعاقب على المساس بالمقدّسات المسيحية دونما نظر أو مراعاة لقصد أو نيّة الشخص المتهم بسبّ المقدّسات.
ومع محاولات أخرى تمت في الاتجاه الذي يجعل من القانون عامّاً لكل المقدّسات في كل دين يوجد في إنجلترا إلا أنها باءت كذلك بالفشل. لذلك لم يفلح المسلمون في بريطانيا في أن يرفعوا دعوى قضائية ضدّ (سلمان رشدي) صاحب كتاب (آيات شيطانية) ؛ إذ القانون الذي يحظر سبّ المقدّسات خاص بالمسيحية فقط. فلم يكن (سلمان رشدي) خارجاً عن القانون البريطاني حين أهان المقدّسات الإسلامية، بل ذلك أمر يندرج في إطار حرّية التعبير رغم أنه سخر من المقدّسات الإسلامية وأهانها. غير أن الطريف حقاً أن حرّية التعبير هذه لم َتحْمِ (فيلماً) باكستانياً سخر من (سلمان رشدي) ، بل منعت دخوله.
إن الشخصيات الدينية في حصانة (مقدّسة) كذلك بموجب قانون حظر (سبّ المقدّسات) ، لذلك فقد قامت هيئة الرقابة على المصنّفات الفنية البريطانية برفض عرض فيلم وثائقي على شاشات التلفاز البريطاني عن الراهبة (تيريزا) التي عاشت في بريطانيا في القرن السادس عشر، بسبب محتوى الفيلم الذي يمكن تأويله على أنه إهانة للدين النصراني.
ـ وفي إيطاليا يمنع عرض الفيلم الأمريكي (الإغراء الأخير للسيد المسيح) ، لما فيه من استثارة مشاعر المسيحيين، لذا لم يُكْتَفَ بمنع عرضه فقط في العديد من البلاد الأوروبية بل قُدِّم مخرج الفيلم في المهرجان للمحاكمة في روما بسبب الفيلم.
ـ وفي فرنسا يقر مجلس الشعب الفرنسي قانون فابيوس ـ جيسو في عام 1990م الذي يحظر مجرّد مناقشة حقيقة وقوع الهولوكست في الحرب العالمية الثانية. وقد عوقب المفكر الفرنسي الشهير (روجيه جارودي) عام 1998م بسبب كتاب (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) ، وحكم عليه بغرامة (20) ألف دولار.
ولم تصمد حريّة التعبير أمام حق قناة (المنار) اللبنانية التابعة لحزب الله في بث أفكارها ورؤاها، بل عملت فرنسا على منع بثّها، لأنها قدمت مسلسلاً عن جرائم إسرائيل، غير أن السؤال الأهم لماذا الوقوف هنا ضدّ حق التعبير؟!
ولماذا تعمل دولة الحرية والمساواة والإخاء ـ وهي الشعارات الشهيرة للثورة الفرنسية عام 1787م ـ بإيقاف (400) إمام وخطيب مسجد في فرنسا تحت دعاوى متهافتة تسقط جميعها أمام أسطورة حرّية الرأي والتعبير.
ولماذا يتم تغريم (برنارد لويس) الأستاذ بجامعة (برنستون) مبلغ (10) آلاف فرنك فرنسي (حوالي 2062 دولاراً أمريكياً) عام 1995م لأنه أنكر أن الأرمن تعرضوا لإبادة جماعية على يد الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين الميلادي.