فهرس الكتاب

الصفحة 5400 من 9994

#صفات الفرقة الناجية

الحمد لله علاّم الغيوب غفّار الذنوب، يفرِّج الكروب ويهدي القلوب، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفِره، وأثني عليه الخيرَ كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ نبيّنا وسيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، خيرتُه من خلقِه، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد وعلى آله وصحبِه أجمعين.

أمّا بعد: فاتقوا الله أيّها المسلمون، وأطيعوا الله ورسوله لعلكم تفلِحون.

عباد الله، إنَّ ربكم جلَّت عظمته وتقدَّست أسماؤه بعث صفيَّه محمّدًا صلى الله عليه وسلم على فَترةٍ من الرّسُل، وأنزل عليه الكتابَ والحِكمة، ودعَا إلى ربِّه على بصيرةٍ، فعلِم الناس من القرآن، وعلِموا من السنّة، وفقهوا في دين الله تعالى، وما لحِق رسولُ الله بالرّفيق الأعلى حتى ترَك أمّتَه على المنهاجِ الواضح والصّراط المستقيم، قال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون {الأنعام:153} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"تركتُكم على المحجَّة البيضاء، ليلُها كنهارِها، لا يزيغ عنها إلا هالك".

فبيَّن الله تعالى أصولَ الإيمان وصفاتِ المؤمنين، فقال جلّ ذكره: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون {البقرة:177} . وبيَّن الرسولُ مراتبَ الدينِ في الحديث لمّا سأله جبريلُ عليه الصّلاة والسلام وهي الإسلام والإيمان والإحسان، وسنَّ عليه الصلاة والسلام السّنَن، وشرَع الأحكام، وفصَل الحلال والحرام، وبيَّن مسائل العقيدةِ أكمَلَ بيان، وحقَّق عليه الصلاة والسلام مقامَاتِ العبودية لربِّه، وكفى نبيَّنا محمّدًا شرفًا وقَدرًا ثناءُ الله تعالى عليه بقوله: وإنك لعلى خلق عظيم {القلم:4} .

والصّحابة رضي الله عنهم تربيةُ رسول الله ونقَلَةُ الشريعةِ والمجاهدون في سبيلِ الله، اختارَهم الله لصُحبة نبيِّه عليه الصلاة والسلام، ووصَفهم الربُّ تبارك وتعالى بالإيمان الكامِل والسَّبق إلى الخيراتِ وفِعل الصّالحات فقال تعالى: والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم {الأنفال:74} ، وقال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار {التوبة:100} ، وأثنى عليهم في قوله:"خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" {متفق عليه} .

فالسّلف الصّالح حقَّقوا الحياةَ العمليّة للإسلام، وعمِلوا بالدين في حياتهم الخاصَةِ والعامّة، وطبَّقوه التطبيقَ الكامل، وهم القدوةُ في العمل بتعاليمِ الإسلام لمن أتى بعدَهم، فكانت سيرتهم منارًا للأجيالِ بعدَهم في العِلم والعمَل، فمن اتَّبع طريقَهم اهتدى وفاز بجنّاتِ النعيم، ومن خالفهم ضلَّ وغوَى وكان من الخاسرين.

ولما كان السلف رضي الله عنهم أكملَ الناس عِلمًا وعملاً وأشدَّ الناس اقتداءً بالنبيِّ رغَّب عليه الصلاة والسلام في لزومِ ما كان عليه هو وصحابتُه، وأمر بالتمسّك بما كانوا عليه من الهدَى، وأخبر أنّ الفِرقة الناجية عند اختلافِ الأمة هي ما كان عليه الرسول وأصحابه، فقال:"افترقَتِ اليهود على إحدَى وسبعين فرقة، وافترقتِ النصارى على اثنتَين وسبعين فرقة، وستفترِق هذه الأمّة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النارِ إلا واحدة"، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال:"من كان على مثلِ ما أنا عليه وأصحابي". وقوله:"كلُّها في النار"هذا من الوعيدِ المعلوم تفسيرُه عند السلف، وهذه الزيادةُ وهي قوله:"مَن كان على مِثل ما أنا عليه وأصحابي"رواها الآجري من طُرق، ومعناها لا شكَّ في صحَّته.

وقد وقع ما أخبرَ به النبيّ من الاختلاف والفُرقة، ولكنّنا كُلِّفنا بالاعتصامِ بالكتاب والسنّة ونَبذِ الخلاف والفُرقة، وأُمِرنا أن نكونَ من الفرقة الناجية التي علِمت الحقَّ وعمِلت به، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين {التوبة:119} .

وكلُّ فِرقة منَ الفرَق الإسلاميّة تزعم أنها على الحقِّ وغيرها على الباطل، ولكن ليس للدّعاوى وزنٌ عند الله ما لم يكن لها بيِّناتٌ من العِلم النافِع والعمَل الصّالح، وقد بيَّن الله تعالى في كتابِه صفاتِ هذه الفرقةِ النّاجية، وجلَّى أمرَها رسولُ الله؛ ليكونَ المسلم على بصيرةٍ من دينهِ وعلى نورٍ من ربِّه، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور {النور:40} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت