فهرس الكتاب

الصفحة 3678 من 9994

#المرأة والتربية

د. علي بن عمر بادحدح

المقدمة

مع العنوان من هي المرأة وما هي التربية ، وأظن أن السؤال الأول قد يكون عجيباً ! وكلنا يعرف من هي المرأة ؟ ولكني - في ومضاتٍ سريعة - أجيب إجابةً تزيد من نظرة احترامنا وتقديرنا وإجلالنا ورعايتنا وحرصنا على المرأة .

ما منكم من أحدٍ - أيها الحضور جميعاً - حتى من لم يبقى في شعره شعرةٌ سوداء إلا وله أمٌ حملته وأنجبته وأرضعته وغذّته ورعته وربّته .. فكلنا نعرف هذه المرأة الأم العظيمة التي يدين كل مخلوقٍ في هذه الدنيا بالفضل لها ، وتضل أمانة برها والوفاء بحقها مرتبطةً بعنقه حتى آخر لحظةٍ من لحظات حياتها أو حياته - أيهما أسبق - ويظل المرء مهما كبر في السن أو شاخ طفلاً في عينه أمه ؛ لأنها عرفته طفلاً في أول حياته ؛ فإن كنت عالمً جليلاً ، أو تاجراً كبيراً ، فاعلم أنك بين يدي أمك مرةً أخرى كأنما أنت ذلك الطفل الرضيع والولد الصغير .

ومن هنا تأتي عظمة كتاب ربنا ، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ونهج ديننا الذي في ومضاتٍ كثيرةٍ وإشاراتٍ عظيمة يبين لنا هذا المقام الجليل .. قال تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } .

وما أوجز وأبلغ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في الصحيح: ( الجنة تحت أقدام الأمهات ) .

ولا أدلّ على عظمة مقامهن ، وعظمة السبيل الموصل إلى الجنة من طريقهن من هذا الحديث العظيم الذي أوجزه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

من هي المرأة ؟

كل من منّ الله عليه بزوجةٍ صالحة ؛ فإن - إن كان صادقاً ومخلصاً - عليه أن يقول لها:"أنتِ مهوى فؤادي ، وسَكَن نفسي ، وقضاء وطري ، ومربية أولادي ، وحافظة عرضي ، ومدبرة شؤوني .. أنت ملكة بيتي ، ومديرة جنتي .."، هذه حقيقةٌ جعلت عباد الرحمن - فيما ذكره الله عز وجل - يقولون في دعائهم: { ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما } .

وذلكم ما تدل عليه آياته: { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة إن في ذلك لآياتٌ لقومٍ يتفكرون } .

وقول الحق سبحانه وتعالى في أوجز وأبلغ عبارةً تمثل ذلك الامتجاز والالتصاق والتعاون والتكامل بين الرجل والمرأة الزوجين .. { هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن } فما أعجب وأبلغ مثل هذا القول الرباني !

وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش. أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده ) .

من هي المرأة ؟

هي تلك البنت التي تدخل السرور على أبيها والتي غالباً ما يكون لطفها وبرها به ، وترددها عليه ، وإن طال بها العهد ، وبعدت بها الشقة ، وكثر لها الأولاد أكثر في غالب الأحوال من الأبناء ؛ حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من عال جاريتين فأحس تربيتهما كن ستراً له من عذاب النار ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

وقد قال عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيح - عن الذين يأخذون الأجر مرتين: ( ورجلٌ علم جاريةً فأحسن تعليمها وتأديبها ثم زوجها فيؤتى أجره مرتين وهكذا تمضي بنا النصوص الشرعية ؛ لترينا المرأة من كل زاوية فإذا هي في موضعٍ من القلب والنفس بمكان ، وفي موضعٍ من الحياة والأثر بما كان ، وفي موضعٍ من الامتداد والبقاء والذكر بمكان .. فما أحرانا أن نلتفت إلى هذه المعاني وليس موضوعنا مكانه المرأة ولكنه عنواننا !

ثم ما هي التربية ؟

التربية هذه الكلمة التي يصدق فيها قول الشاعر:

كلٌ يدعي وصلاًً بليلى وليلى لا تقرّ لهم بذاك

وزارات للتربية والتعليم ، وشخصيات يقولون: والأمهات في الأصل أنهن مربيات ومعلمات مفرغات لهذه المهمة .. وهذه المهمةٌ الجليلة - إذا أردنا الحق - فهي مهمة الرسل والأنبياء ابتداءً .. ولست مفيضاً في هذا التربية في لغة العرب مشتقة من الفعل الثلاثي:"ربا"، وتدور معانيه في ثلاثة جوانب .

الجانب الأول: النماء والزيادة

معنى ذلك أنه ثمرها وزودها"من ربّى ماله"؛ فإنه كثّره وضاعفه ، ثم كذلك معنى الرعاية والحفظ الرعاية والحفظ .."ربُّ كل شيءٍ"من يرعاه ويحفظه ، والله جل وعلا رب الناس ؛ لأنه راعيهم وحافظهم سبحانه وتعالى ..

والتربية كذلك السيادة والملك ، فربُّ الدار مالكها ، ورب المال صاحبه .. والمعاني الثلاثة تمتزج كلها في مرادنا بهذه التربية ..

التربية كما قال بعض الفلاسفة:"السعي إلى بلوغ الكمال والجمال الحسي والمعنوي في ذات الإنسان". وهذا معنى بليغٌ وواسع .

والتربية فيما يقوله أهل العلم في تعريفها:"هي بلوغ الشخصية الكاملة المتوازنة في الجوانب النفسية ، والوجدانية ، والأخلاقية ، والفكرية والجسمية - أي من جميع الجوانب - بتوازنٍ وكمالٍ".. ننشئ ونربي هذا الإنسان ليبلغ ذروة الكمال البشري ، والبشر كلهم فيهم قصورٌ ، ولا معصوم إلا من عصمه الله عز وجل وهو المعصوم صلى الله عليه وسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت