هذه التربية مهمةٌ دقيقة ؛ فإن نظرة العين وإن قسمات الوجه - فضلاً عن الكلمات .. فضلاً عن الأفعال - تكوّن بصماتٍ عميقة في نفوس الأبناء والصغار دون أن تلتفت أنظارنا إلى ذلك ، ودون أن نعرف من أين اقتبسوا هذه الأخلاق ؟ من أين ترددت على ألسنتهم هذه الكلمات ؟ من أين جاءت إلى عقولهم هذه الخطرات ؟
وإذا دققنا وجدنا أننا نحن الذين أرسلناها ، ونحن الذين في نفوسهم أودعناها ؛ لأننا نظن أنهم لا يأخذون عنا ، أو نظن أننا إذا قلنا لهم كلاماً على سبيل التعليم والتلقين يكفي ، وما وراء ذلك لا يؤثر .
ولذلك مهمة التربية دقيقة ؛ لأنها تتعامل مع النفوس والأرواح ، ولا مع الجسوم والأشباح .. أنت تربي نفسً والنفس البشرية هي أعجب شيءٍ في خلق الله عز وجل ؛ حتى إن الله جل وعلا جعل الخلق كله في كفة ، والنفس البشرية في كفة أخرى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } ، آيات الآفاق كلها دلالةٌ على الحق ، ولكن دلالة النفس البشرية العجيبة هي دلالةٌ مماثلةٌ لآيات الآفاق كلها ، وقال جل وعلا: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } .
ثم إذا نظرنا وجدنا هذه النفس بالفعل هي عجيبة العجائب ، وعظيمة العظائم في خلق الله سبحانه وتعالى ، ولك أن تعرف المؤثرات التي تؤثر في النفس بغضٌ وحبٌ ، انقضاضٌ وانجذابٌ ، نفرةٌ وإقبالٌ .. بكلمةٍ واحدة ربما تفسد علاقة سنواتٍ طوال .. بموقفٍ واحدٍ ربما تزيل عداواتٍ وبغضاء استمرت وقتاً طويلاً ؛ لأن هذا هو فن هندسة وتربية النفوس ، ولذلك لو أردنا أن نفيض لرأينا كيف كان المربي الأعظم صلى الله عليه وسلم يمضي مع العجوز من عجائز المدينة تخلو به في سكك المدينة ؛ ليصغي إليها !
الرجل الأعظم ، القائد الأكبر في دولة الإسلام .. ونحن لو أرادت عجوزٌ أن تكلمنا لقلنا لها: انصرفي لحالكِ وشأنكِ ، ليس لدينا وقتٌ لكِ ، ولا نظرٌ إليكِ !!
كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الحسن والحسين يمتطيانه ويركبان على ظهره ، ويقول: ( نعم الجمل جملكما ، ونعم الراكبان أنتما ) ، ولو شئنا أن نمضي في هذا لطال بنا المقام ..
هذا هو عنواننا ، هذه هي المرأة ، وهذه هي التربية ؛ فلنمضي لنرى الأمر الأبرز المهم ؛ لأن التربية بناء ومتابعة للبناء ، ومحافظة على هذا البناء ليست هي بناء وتنتهي منه وتتركه .. كلا ! فإن كل مبنىً تبنيه وإن لم تكن له صيانة فسوف يفسد وسوف تخسر عليه أكثر مما خسرت في بناءه ، وكل بناءٍ لا تسعى أن تتمه وأن تحمه يوشك أن يكون ضعفه سبباً في انهياره .
ولذلك انتقل بكم إلى النقطة الثانية: الخطورة والأهمية
خطورة دور المرأة في التربية ، وأهمية قيام المرأة بالتربية مسألةٌ أحسب أنها أخطر المسائل على الإطلاق في واقعنا المعاصر ماذا تسمعون اليوم ؟ ماذا تقول الدول العظمى ؟ ماذا تقول المؤسسات العالمية ؟ ماذا تقول المؤتمرات الدولية على ما يدور الحديث ؟ وفيما تعد الخطط ؟ ألا ترون وتسمعون وتعرفون أنها عن المرأة ، وعن دورها ، وعن الأسرة وتماسكها ، وعن المجتمع وخط الدفاع الأول الذي هو بإذن الله عز وجل صمام الأمام !
دعوني أذكر هذه الأهمية في ثلاث نقاط:
أولها: قوة وفعالية تأثير التربية
التربية كما قد يقولون أحياناً في الدعايات بطيء ، ولكنه مؤثر .. التربية كما قد نظن الآن لأول وهلة هي قيام المرأة بتغسيل ابنها ، وإرضاعه وإعطائه الطعام ، وتلبيسه الملابس ، كأنها مهمة تقوم بها أي خادمةٍ من آسيا أو في أفريقيا ، أو في أي مكان ، ويمكن أن نعهد بها إلى أي مؤسسة أو حضارة من الحضارات هنا أو هناك .. لكنني أنقل لكم أقوالاً ليست بعضها ليست بالمسلمين بالكلية ، وبعضها لبعض لمن ليس معنياً بالإسلام ، وإن كان منتسباً إليه ؛ لنرى الخطورة والأهمية في هذا .
هذا كاتبٌ من الكتّاب العرب ليس من الذين يعنون بالإسلام يقول:"إن المشاريع التربوية عنوان التقدم والنهضة والحرية"، ولذلك - أيضاً - أكّد العديد من المفكرين:"بأن ما لا نستطيع تحقيقه عن طريق الثورة الحمراء يمكن أن يتم عن طريق التربية ، فالحلول التربوية ثورةٌ صامتةٌ تتغلغل في صلب الوجود الاجتماعي ، وتأخذ مجراها في أعماق الوعي ؛ لتتحول إلى قوةٍ تاريخية تمكن المجتمع من غاياته الحضارية السامية للتربية أهمية خاصة ، ففيها بناء الوعي ، ونشر الثقافة ، وتشكيل الإنسان ، وهذا صلب المشروع الحضاري".