فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ـ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً ـ أما بعد أيها الأحبة في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وهذا هو الدرس الثامن والعشرون من سلسلة الدروس العلمية العامة والتي ينظمها المكتب التعاوني لمدينة وفي هذا الجامع المبارك في ليلة الاثنين الموافق للتاسع عشر من شهر صفر للعام السادس عشر بعد الأربعمائة والألف ومع هذا الموضوع الذي هو بعنوان توجيهات وأفكار في تربية الصغار وهذا الموضوع هو ضمن سلسلة سبق أن بدأنا بها وهي سلسلة وسائل وتوجيهات وقد كانت الحلقة الأولي بعنوان أربعون وسيلة لاستغلال رمضان ثم أربعون وسيلة لاستغلال موسم الحج ثم أربعون وسيلة لاستغلال الإجازة الصيفية ثم هذه هي الحلقة الرابعة وهي أيضا أربعون وسيلة وهذه التوجيهات وهذه الأفكار هي مجموعة توجيهات وأفكار ووسائل في تربية الصغار كنت قد جمعت شيئاً منها في درس قبل خمس سنوات تقريباً وكان يراودني تجديد هذا الدرس وإلحاق بعض الوسائل والتوجيهات وكان للتسويق والانشغال وقلة البضاعة دور في التأخير حتى وقع بين يدي بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير بعنوان مسئولية الأب المسلم في تربية الولد في مرحلة الطفولة ،والحق يقال فهو كتاب جامع فريد أنصح الآباء والأمهات بالقراءة فيه والنظر والاستفادة منه فقد جمع صاحبه الأستاذ/ عدنان حسن باحارث كثيراً من الفوائد والشوارد والتوجيهات والتجارب لعلماء التربية والمتخصصين في هذا الشأن جزى الله كاتبه خير الجزاء ونفع الله به ورعاه ولو كمل هذا الكتاب بتخريج الأحاديث والآثار فيه والحكم عليها من متخصص في هذا الفن لزاد العقد بهاء وجمالاً وقد استفدت منه كثيراً في هذا الموضوع الذي أسأل الله ـ عز وجل ـ أن ينفع به الآباء والأمهات في وقت تخلى كثير منهم عن هذه المسئولية العظيمة تربية الأبناء فالأب في وظيفته وتجارته وربما الأم في وظيفتها وزياراتها والضحية هم الأولاد وربما تُركوا للأعاجم والجهال من السائقين والخادمات ألا تتق الله أيها الأب واتق الله أيتها الأم فإنكما مسئولان أمام الله عن هذه الأمانة وتذكرا جيداً هذا الموقف عند السؤال والحساب قال ـ صلى الله عليه وآله سلم ـ في الحديث المشهور"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها"إلي آخر الحديث والحديث متفق عليه وقال ـ صلى الله عليه وآله سلم ـ"ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة"والحديث أيضاً متفق عليه وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) إذاً فاعلما أن مسئولية تربية الأولاد بينكما مشتركة تقتضي التعاون والتفاهم واعلما أيضاً أن مرحلة الطفولة مرحلة مهمة جداً في توجيه الولد وتأديبه قال ]الإمام الماوردي [ مؤكداً على هذا المعنى فأما التأديب اللازم للأب فهو أن يأخذ ولده بمبادئ الآداب ليأنس بها وينشأ عليها فيسهل عليه قبولها عند الكبر لاستئناسه بمبادئها عند الصغر لأن نشأة الصغير على شيء تجعله متطبعاً به ومن أُغفِل في الصغر كان تأديبه في الكبر عسيراً وإليك مقطوعة [لأحمد شوقي] تلخص هذا المعنى وتعرضه في أبهى صورة يقول:
بين الحديقة والنهر وجمال ألوان الزهر
سارت مها مسرورة مع والد حان أبر
فرأت هنالك نخلة معوجة بين الشجر
فتناولت حبلاً وقالت يا أبي هيا انتظر
حتى نقوم عودها لتكون أجمل في النظر
فأجاب والدها لقد كبرت وطال بها العمر
ومن العسير صلاحها فات الأوان ولا نفر
قد ينفع الإصلاح والتهذيب في عهد الصغر
والنشء إن أهملته طفلاً تعثر في الكبر
وأول هذه التوجيهات الحرص على تعويده على مراقبة الله وغرس ذلك في نفسه كل لحظة وتخويفه بالله سبحانه وتعالى لا بأبيه ولا بالحرامي ولا بالبعبع كما تفعل كثير من الأمهات فإن الصغير يتعلق بالله فلا يرجو إلا الله ولا يخاف إلا الله وهذا ما يسميه علماء التربية بالوازع الديني وهذا جانب مهم جداً يغفل عنه الآباء والأمهات واسمع لقول الحق ـ عز وجل ـ حاكياً عن [لقمان] وهو يؤصل هذا الجانب في نفس ولده يقول سبحانه وتعالى على لسان لقمان (يا بنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) انظر للتربية العميقة ملءُ نفس الولد بعظمة الله بعظمة علم الله واطلاعه عليه حتى وإن كانت هذه الحبة في حقارتها لا وزن لها ولا قيمة ولو كانت هذه الحبة داخل صخرة صلبة محشورة أو كانت هذه الحبة في السماوات؛ ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذرة تائهة فكيف بهذه الحبة الحقيرة أو حتى كانت هذه الحبة في الأرض ضائعة فإن الله سبحانه وتعالى سيبديها ويظهرها بلطيف علمه فأين الآباء والأمهات عن هذه التربية أقول عن هذه التربية املأ قلب صغيرك بخوف الله وأخبره بأن الله يراه في كل مكان وأنه مطلع عليه في كل حال فإذا كذب قل له إن الله يعلم ما تخفى وأن الكاذب في النار وإذا سرق قل له إن الله يراك وأن الله يغضب على السارق وإذا عصاك فقل له إن الله يغضب عليك وإذا أطاعك فقل له إن الله يحبك وإذا…... هكذا في كل أفعاله ذكره بالله سبحانه وتعالى إذاً لنربي أبناءنا على هذا المنهج ثم بعد ذلك أطلق له العنان فكلما حدثته نفسه بأمر سوء تذكر أن الله ـ عز وجل ـ معه يراه ويعلم ما يصنع.
ويؤكد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على هذا المنهج فنجده يوصي [ابن عباس] وهو صغير فيقول له ـ صلى الله عليه وآله وسلم"يا غلام ـ وفي رواية يا غليم ـ إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك وأن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك رفعت الأقلام وجفت الصحف"هكذا كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يغرس هذه المعاني الجميلة في نفس ابن عباس وهو صغير. [حماد بن زيد] يقول كنت أسير مع أبي فمررنا بجدار فيه تبن فأخذت عود تبن فقال لي أبي لم أخذت؟ ينهوني.. فقلت إنه عود تبن فقال أبي: لو أن الناس كلهم مروا من هاهنا فأخذوا عود تبن هل كان يبقى في الجدار تبن يا بنى هل كان يبقى في الجدار تبن؟ هكذا كانوا يربونهم على أحقر الأشياء لا تمتد اليد على أحقر الأشياء حتى إذا كبر لا تمتد يده على أصغر الأشياء أو على أي شيء مهما كان صغيراً أو كبيراً [سهل الدستوري] يقول كنت مع خالي صغيراً وكان يقول لي وأنا ابن ثلاث سنين يقول لي انظر ألا تذكر الله الذي خلقك قال كيف أذكره قال لي خالي [محمد بن سوار] قل بقلبك من غير أن تحرك به لسانك الله معي الله ناظر إلي الله شاهدي ثلاثا ثم سبعا ثم أحد عشر.
تأصيل رقابة الله ـ عز وجل ـ في نفس الصغير حتى وإن كان ابن ثلاث سنين ، بائعة اللبن تقول لأمها يا أماه إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فإن رب أمير المؤمنين يرانا..