فهرس الكتاب

الصفحة 3518 من 9994

#القدس قضية الأمة

د. علي بن عمر بادحدح

17/8/1425 هـ

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

حديثنا اليوم نجدد به أحاديث سلفت ؛ لأنه لا بد أن يكون حاضراً في الأذهان ، حيّاً في القلوب لما له من ارتباط وطيد بحقائق الأيمان والإسلام من جهة ، وبوحدة المسلمين ورابطة المؤمنين من جهة أخرى ..

ولأنه كذلك يمثل قضية الوجود الإسلامي الإيماني في مواجهة العدوان الإجرامي الظالم ؛ ولأنه من جهة ثالثة ورابعة يمثل محور الصراع بين الحق والباطل .. بين الشر والخير .. بين المعاني والقيم الفاضلة وبين الأضاليل والجرائم الفظيعة .

حديثنا مرةً أخرى عن أرض الإسراء .. عن قلب أمتنا الإسلامية النابض بالمقاومة والجهاد ، في مرور الذكرى الرابعة للانتفاضة الجهادية المباركة .. لاشك أن حدثاً مثل هذا أحسب أنه قد مرّ على الآذان و الأذهان مرور الكرام ، لم يُربط بحقائق الأيمان ، لم يستدل عليه بآيات القران ، لم يكن له صلة واضحة بما كانت غليه سيرة وسنة المصطفى العدناني صلى الله عليه وسلم .

كثيرة هي الأمور التي تمرّ بنا ، وننظر إلى جانبها المظلم دون المشرق ، وإلى حقائقها الدنيوية المادية دون حقائقها الإيمانية المعنوية .. كم نحن في حاجة إلى أن تكون قلوبنا حية بالإيمان فلا تفقه إلا فقهه ، ولاتزن إلا بميزانه ، ولا تنظر إلا بعينه بدلاً من أن نكون مستسلمين لذلك الكمّ الهائل من القول الإعلامي الزائف الذي ليس في مجمله مرتبطا بالإيمان والقران والإسلام إن لم يكن محايداً وبعيداً عن ذلك فهو يرجف بالقول الذي يعارضه ، ويلقي بالتهم التي تنقضه .

ومن هنا ؛ فإن حديثنا هذا - ولو تجدد ولو تكرر ، وإن كنا قد انقطعنا عنه فترة من الزمن - فإنه جديرٌ دائماً وأبداً ألا يرتبط بخطبة أو محاضرة أو حادثة ، لأن فعل اليوم المتكرر في كل ساعة ودقيقة وثانية .. ما الذي تسمعه ؟ جرّت هذه المقاومة الويلات والنكبات على أبناء فلسطين أوصلتهم كما يقول بعض المحللين من أبناء العرب بل من أبناء فلسطين إلى ارتفاع نسبة الفقر من 15% و20% قبل هذه المقاومة الجهادية إلى 40و50% أوصلتهم إلى أرواح أزهقت ، وبيوت هدّمت ، وأسر شتت .. وغير ذلك ، ثم ماذا بعد هذا ؟

ثم إنها أوجدت الذرائع والأسباب والمبررات للعدو لكي يجد مسوّغاً عالمياً ، ومنطقاً دولياً فيما يقوم به من الإجرام والعدوان ولست أدري وقد تكرر مثل هذا القول عبر ليس سنة و سنتين ، ولا عقداً ولا عقدين ، بل أكثر من ذلك لم يعد أحد يفقه مثل هذا القول ويقبله إن كان حيّ القلب يقض الضمير راشد العقل عالي الهمة حراً في نفسه لا يقبل بالذل والظيم .

لننظر إلى الجانب الآخر لننظر إلى الحقائق ولأبدأ معكم ببعض الومضات من الحقائق القرانية في الآيات القرانية التي تكشف لنا صوراً أخرى غير ذلك الوهم المسيطر على قلوب الخائفين والدنيويين وغير ذلك .. الوهم المسيطر على المتاجرين من السياسيين وغير ذلك .. الوهم المسيطر على الغافلين الدنيويين الراكنين إلى حياتهم .

{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } .

سنة ربانية ماضية ، آية قرانية ، أو شطر آية حقيقتها ثابتة .. أين نراها اليوم لننتقل إلى هناك إلى أرض العزّة والقوة والمقاومة والجهاد ، في زمن - كما أسلفت مراراً - ران وغلب على كثير من المسلمين الذلة والخنوع والخوف والاستسلام .. لماذا حقق أهلنا وإخواننا في فلسطين معادلة غريبة شاذة لا تُفهم إلا بمقياس الإيمان ؟ لماذا ومن أين جاءوا بهذه الشجاعة والقوة والبطولة ؟ وكيف تسنى لهم هذا الثبات رغم قوة البطش وشدة العدوان ، وتوالى الجرائم ، ومع ذلك يقفون برؤوس مرفوعة ، وصدور مشرعة ، وأقدام ثابتة ، وكلمات تعبر عن معاني القوة والعزة ؟

إنها الآية القرآنية والسنة الربانية ، قال تعالى: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } .

لقد وقع التغير هناك تغير حقيقي يظهر في صور شتى ، بدءاً من الارتباط بالقرآن حفظاً لآياته وتلاوة لها ، وتدبراً لمعانيها ، ومروراً بتربية المساجد التي تعلّقت بها قلوب الشباب قبل الشيب ، والصغار قبل الكبار .. وانتهاءاً إلى التربية العظيمة للأمهات الفاضلات المربيات المجاهدات .

وقد سمعت خلال الأيام الماضية ، ورأيت مقابلات بقدر ما فيها من حزن وألم ، بقدر ما فيها من عظمة واستعلاء ..

أم فلسطينية ، لها سبعة أبناء ليس عندها واحد منهم مطلقاً ؛ واحد منهم مضى شهيداً ، وستة في الأسر ، وهي تقول:"بقيت واحدةً مفردةً ، لكني لا أضعف ولا ألين ، بل أفتخر وأعتز بهم".

ثم تلتفت إلينا وإلى الجميع لتقول: أين المسلمون ؟ وأين العرب منا ؟ بل تلتفت إلى ما هو أدنى إليها وأقرب منها: أين المسئولون عنا في بحثهم عن معاناتنا ، ووقوفهم إلى جانبنا وغير ذلك كثير وكثير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت