فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن صور الظلم أيضاً عدم العدل بين الأولاد وتفضيل بعضهم على بعض بلا مبِّرر شرعي , وربما أعطى أحد أولاده قطعة أرضٍ أو مالٍ دون بقية الأولاد وهذا زورٌ وجَورٌ وحَيفٌ وظلمٌ والله لا يحب الظالمين.
ومن صور الظلم ما تفعله بعض المؤسسات والشركات والأفراد من ظلمٍ للعمَّال والأجَرَاء , إما بتأخير رواتبهم أو انتقاص شيء منها على خلاف ما هو موجود في العقد بينهما , أو بالاعتداء عليهم بضربٍ ونحوه. وكل هذا ظلم {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} .
كما أن الظلم أيضاً أخْذُ حقوق الغير وتملكها بدعوى أنَّها له كما يفعله البعض في الأراضي ونحوها , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَن ظَلَمَ من الأرضِ شيئاً طوَّقه من سبعِ أَرضين ) ). [رواه البخاري] . قال العلماء في معنى (( طوَّقه ) )أما أنه يكلف نقل ما ظلم منها في يوم القيامة إلى أرض المحشر فهوى الطوق في عنقه , وأما أن يكون المعنى أنه يُعاقب بالخسف إلى سبع أرضين .
فيا مَن ظلم الناس بأكل أموالهم أو الكذب عليهم ونقل الكلام عنهم أو منع حقوقهم , تُب إلى الله قبل حلول الأجل وانقطاع العمل , قبل أن يكون ظلمك ظلماتٍ عليك. وتذكَّر مصارعَ الظالمين وكيف يقومون يوم القيامة تعلوهم الذِّلَّة والصَّغار , والفزع والنار. والله الذي لا إله غيره لن ينفعك أحد من البشر ولن يخلِّصك من العذاب إلا عمل صالح وتوبة نصوح ترجع فيها كل حق إلى صاحبه. والله الموعد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} .
اللهم جنِّبنا الظلم وأعذنا من الظالمين. اللهم خلِّصنا من حقوق العباد وأغننا بحلالك عن حرامك. وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك. وأقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله أمر بالعدل والإحسان , ونهى عن الظلم والبغي والعدوان , وأشهد أن لا إله إلا الله الكريم المنَّان , وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله أعظم الناس عدلاً , وأشدهم لله خشية وتعظيماً , اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ:
فاتقوا الله رحمني الله وإياكم , وأقسطوا إن الله يحب المقسطين.
أيُّها الإخوَة:
لقد سمعتم شيئا من شناعة الظلم وخطره , وما أعدَّ للظالمين من عذاب شديد وتهديد أكيد. وإن ضد الظلمِ العدلُ الذي أمر الله به في قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} . وفي قوله: { وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } . والقسط بمعنى العدل وعدم الجَور , وعدل الإنسان يكون مع النفس ومع الغير , فعدله مع نفسه يكون بالإستقامة على منهج الله فلا غُلوَّ ولا تقصير فيحجز المرء نفسه عن المحرمات فلا يقع في الموبقات والمهلكات , ويكون العدل مع الغير بإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه ابتغاء وجه الله عز وجل.
والعدل الذي أمر الله به وبه قوام الأرض عام يشمل جميع المسلمين كل بحسب ولايته ومسؤوليته , ولكنه على الولاة والرؤساء والقضاة أوجب وأعظم وكذا رب الأسرة في أسرته , أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَا مِن أمير عَشَرةٍ إِلا يُؤتَى به يومُ القيامةِ مَغلولاً لا يفكُّه إلا عدلُه ) ). [أنظر صحيح الجامع 5571 ومشكاة المصابيح 3697 والأحاديث الصحيحة 344] . ويكون العدل مع القريب والبعيد , والعدو والصديق في جميع الأحوال , قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
أيُّها المُسلمون:
ما أعظم العدل وما أكبر أثره وأكثر خيره فبقيام المرء بالعدل يحظى بمودة الناس في هذه الدنيا وبمحبَّتهم أما في الآخرة فهو في نعيمٍ مقيمٍ ومقامٍ كريم , روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( المُقسطون على منابرٍ من نورٍ عن يميِن الرَّحمن وَكلتَا يَديه يمين الذين يَعدلون في حُكمهم وأهليهم وما وُلُّوا ) ).
اللهم اجعلنا من المقسطين الذين يعدلون في جميع أمورهم , اللهم وفقنا لأداء الحقوق وأعذنا من الظلم والعقوق. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
الخطبة الأولى
الشبهات وردها
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) . أما بعد:
فإنّ خير الكلام كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أيها الناس:
كما أن الأبدان تمرض، فإنّ للقلوب أمراضاً أيضاً.
وأمراض القلوب أعصى من أمراض الأبدان، وهي أشد فتكاً بالإنسان؛ لأنها متعلقة بدينه، وتحدد مصيره في آخرته.
ومن كان مريض القلب فزاده الله تعالى مرضاً إلى مرضه بسبب صدّه عن سبيل الله تعالى فإنه من المنافقين، أهل الدرك الأسفل من النار، الذين قال الله تعالى فيهم: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً) . (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) .
ومن أعظم أمراض القلوب التي تورد أصحابها المهالك في الدنيا والآخرة: الشبهات التي تعلق بالقلوب حتى يظن أصحابها أنهم على هدى وهم على ضلال، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا وهم مخطئون.
وما وقع في البدعة من وقع فيها من أهل الإسلام إلا بالشبهات والأهواء.
بل إن أول فتنة عظيمة وقعت في هذه الأمة نتجت عن شبهات داخلت قلوب أصحابها، فأوردتهم المهالك في الدنيا، وعلقوا بسببها في رقابهم دم الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، والله تعالى أعلم بعاقبتهم في الآخرة.