فهرس الكتاب

الصفحة 9132 من 9994

فيا أيها المؤمنون إنكم تستقبلون بعد أيام قلائل موسماً كريماً من مواسم الخيرات تستقبلون أيام عشر ذي الحجة المبارك الذي جعله الله محلاً لكثير من المواهب والنفحات حتى غدا أفضل مواسم الخيرات فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء ) ) (14) رواه البخاري وغيره. فهذه الأيام العشرة أفضل أيام السنة وقد فضلها كثير من العلماء على أيام عشر رمضان الأخير وأما لياليها فهي من أفضل الليالي ويكفيها فخراً وشرفاً وفضلاً إقسام الله تعالى بها حيث قال: ?وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ? (15) وقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمل الصالح بأنواعه وصنوفه في هذه الأيام فأكثروا عباد الله في الأعمال الصالحة من هذه الأيام واغتنموها بالأعمال الصالحة بما يعود عليكم بالأجر والمثوبة يوم القيامة فبادروا فيها بالأعمال الصالحة مادام في العمر مهلة وفي الوقت متسع.

أيها المؤمنون إن أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه تعالى في هذه الأيام الإكثار من ذكره جلَّ وعلا قال الله تعالى: ?وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ? (16) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما:"الأيام المعلومات أيام العشر"وهو قول جماعة من المفسرين، وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) ) (17) رواه أحمد بسند جيد. فأكثروا أيها الأحباب من ذكر الله تعالى وقراءة القرآن وقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد في كل أوقات هذه العشر وفي جميع الأماكن فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما (18) ، واعلموا أن الذكر في هذه الأيام أفضل الأعمال بل هو أفضل من الجهاد غير المتعين ومن الأعمال الصالحة المتأكدة في هذه الأيام الصيام خاصةً صيام يوم عرفة فقد روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ) ) (19) ومن الأعمال المشروعة في هذه الأيام الاستعداد للأضحية فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (( من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي ) ) (20) وفي الحديث الآخر (( إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً ) ) (21) رواه مسلم، وهذا الحكم يخص المضحي نفسه دون أهل بيته من الأولاد والنساء فاحرصوا أيها المسلمون على مواسم الخير فإنها سريعة الانقضاء:

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأعمال فرحاناً جاذلاً

وأكثروا فيها من الأعمال الصالحة وتعرضوا لنفحات الله ومواهبه فإن عجز أحدكم عن ذلك فلا أقل من أن يكف شره وينتهي عن المعاصي فإن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل أعمال البر فذكر له صلى الله عليه وسلم أعمالاً ثم قال الرجل: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق، قال: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال صلى الله عليه وسلم: تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك )) (22) متفق عليه.

واعلموا أيها الإخوان أن هذه الأيام هي من أفضل الأيام فالحسنات فيها مضاعفة والسيئات مغلظة معظمة فسارعوا إلى مغفرة من ربكم من ربكم ورحمة.

(1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان برقم 8 وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان برقم 16.

(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج برقم 1337.

(3) آل عمران: 97.

(4) أخرجه البخاري في كتاب الحج برقم 1513.

(5) أخرجه أحمد برقم 2864 وإسناده جيد.

(6) أخرجه البخاري في كتاب الحج برقم 1521 وأخرجه مسلم في كتاب الحج برقم 1350.

(7) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان برقم 121.

(8) أخرجه البخاري في كتاب الحج برقم 1773 وأخرجه مسلم في كتاب الحج برقم 1349.

(9) أخرجه مسلم في كتاب الحج برقم 1348.

(10) أخرجه النسائي في كتاب الجهاد برقم 3140.

(11) أخرجه مسلم بلفظ: (لتأخذوا مناسككم) في كتاب الحج من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه برقم 1297. وأخرجه أحمد برقم 14010.

(12) البقرة: 197.

(13) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك من حديث عائشة رضي الله عنها برقم 2901 وأخرجه أحمد برقم 24794.

(14) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة من حديث ابن عباس رضي الله عنه برقم 969، وأخرجه الترمذي في كتاب الصوم برقم 757 واللفظ للترمذي.

(15) الفجر:1-2.

(16) الحج: 28.

(17) أخرجه أحمد برقم 5423 وسنده جيد.

(18) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب فضل العمل في أيام التشريق.

(19) أخرجه مسلم في كتاب الصيام من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه برقم 1162.

(20) أخرجه مسلم في كتاب الحج من حديث أم سلمة رضي الله عنها برقم 1977 وأخرجه النسائي في كتاب الضحايا برقم 2791.

(21) أخرجه مسلم في كتاب الحج برقم 1348.

(22) أخرجه البخاري في كتاب العتق من حديث أبي ذر رضي الله عنه برقم 2518. وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان برقم 84 واللفظ لمسلم.

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

فاتقوا الله عباد الله وافعلوا الخير لعلكم تفلحون فإنكم في موسم من مواسم البر العظيم كثيرة خيراته ورحماته فيه خير أيام الزمان وأفضلها العامل فيها بالبر والإحسان أفضل عند الله الملك الديان من الجهاد إلا مجاهداً خرج في سبيل الله فعقر جواده وأهريق دمه لله العظيم الرحمن.

عباد الله يامن ترجون الله والدار الآخرة يامن تؤملون جنة عرضها السماوات والأرض أنتم في أيام عشر ذي الحجة المبارك التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: (( مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ) ) (1) رواه البخاري وغيره، فالله الله أيها المسلمون أكثروا فيها من الأعمال الصالحة التي ترفع درجاتكم وتقربكم من مليككم فإن الله جل وعلا فتح لكم في هذه العشر أبواب الخير كلها وندبكم إلى الاجتهاد في جميعها، أيها المؤمنون إن من أخص ما تميزت به أيام العشر ذكر الله تعالى في كل حالٍ وحين فقال تعالى: ?وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ? (2) قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس: الأيام المعلومات هي أيام العشر، فمن خير أعمالكم يا عباد الله ذكر الله تعالى في هذه الأيام فعن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً قال: (( ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) ) (3) رواه الإمام أحمد بسند جيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت