فهرس الكتاب

الصفحة 4814 من 9994

#خيرَة الله

فضيلة الشيخ: عبد الوهاب الطريري

الحمدُ لله حمدا طيبا كثيرا كما يجبُ ربُنا ويرضاه.

وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، لا ربَ غيرُه ولا معبودَ بحقٍ سواه.

وأشهدُ أن محمدا عبدُه ورسولُه أفضلَ نبيٍ وأشرفَه وأزكاه. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنتَه واهتدى بهداه.

أما بعدُ أيها الناس، اتقوا اللهَ حق التقوى.

أمةَ الإسلام: أحبابَ محمدٍ (صلى اللهُ عليه وسلم) ، أتباعَ ملتِه وحملةَ رسالتِه وحراسَ عقيدتِه والسائرينَ على هديه وطريقتِه.

أيها الأخوةُ المتحابونَ بجلالِ الله، إن قلوبَنا أشدَ ما تكونُ حاجةً لأن توردَ على المأثورِ عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) من ذكرٍ ودعاء، يربي إيمانَها، ويكونُ يقينَها، ويزيدُ تعظيمَها لربِها ووثوقَها به.

يقولُ جابرُ أبن عبد الله رضي الله عنه: كان رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) يعلمُونا الاستخارةَ في الأمورِ كلِها كما يعلمُونا السورةَ من القرآن.

فعش بقلبِك وأحضر إلى وجدانِك تلكَ الفِقرَ النيرةَ من ذاكَ الدعاء: اللهم إني أستخيرُك بعلمِك، وأستقدِرك بقدرتِك وأسأُلك من فضلِك العظيم، فإنكَ تقدرُ ولا أقدِر، وتعلمُ ولا أعلم وأنت علامُ الغيوب.

هذهِ العباراتُ المشرقةُ بإجلالِ اللهِ عز وجل، كم تربي في النفس من تعظيمِ الخالقِ جل جلالُه، كم تبينُ من عظمةِ الخالقِ، وتبينُ من ضعفِ المخلوق.

إن المخلوقَ مقيدُ بالعجز، محجوبُ بالجهلِ، إنكَ تقدرُ ولا أقدر، وتعلمُ ولا أعلم، أما اللهُ جل جلالُه فهو القادرُ على كلِ شيء، وهو الذي أحاطَ بكلِ شيءٍ علما، ولذا فإن العبدَ يلوذُ من عجزِه بقدرةِ الله، ومن جهلِه بعلمِ الله عز وجل، إن اللهَ عليمُ قدير.

كم هي الأمورُ التي ينظرُ إليها البشرُ بنظرِهم المحدود، ويقيسونَها بمقياسِهم القاصر، فيرونَ فيها ما يكرهون، ويستدفعونها فلا يقدرون، ويكونُ للهِ فيها من اللطفِ والخيَرَةِ ما تقصرُ عنُ عيونُهم وتتطامن عنهُ علومُهم.

كم خارَ اللهُ لعبدِه وهو كاره! كم طوى اللهُ لعبدِه المنحَةَ في طي المحنَةَ!

أنظر في صورِ خالدِة لا تبلى جدَتُها وقد ذُكرت في القرآن.

أنظر إلى خبرِ نبيِ اللهِ يوسفَ عليه السلام:

ذلكَ الصبيُ المدللُ في كنَفِ أبن رحيم مشفقٍ يخافُ على أبنِه أن يخرجَ في نزهةٍ، ثم يُنتزَعُ من وسطِ هذا الدلالِ والرعايةِ ليلقى في غيابةِ الجُبِ ثم في ظُلمِ السجنِ.

ما هو مقياسُ هذا المصابِ في مقياسِ البشرِ القاصر، كيفَ ينظرُ البشرُ إلى هذا المشهد؟

أنهم ينظرونَ إليه بإشفاقٍ، صبيُ حرمَ حنانَ الأبوة، حرمَ عطفَ الوالد، حرمَ لذةَ التلذذِ بنعمةِ الحنان، ثم يتعرضُ بعد ذلك لخطفِ الرقِ وقيدِ السجن. هل ينظرُ البشرُ إلى هذا المشهدِ إلا بهذه النظرة! ولكن كان علمُ الله، وحكمةُ الله، تدخرُ ليوسفَ شيئاً آخر، تدخرُ ليوسفَ النبوةَ والرسالةَ، وتدخرُ له حُكمَ مصِر، تدخرُ لهُ أن تكونَ خزائنُ مصرَ بيدِه، فإذا يوسفُ يخرجُ من السجنِ إلى الحكم، وإذا الأبُ الذي عميَ عليه حزناً يقرُ به عينا، وإذا الأخوةُ الذينَ ألقوه في غيابةِ الجبِ يقولون له: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ.

ما الذي كان سيبقى ليوسفَ لو بقيَ حالُه كما كان! سيبقى ابنا مدللا لأبٍ شيخٍ تضعفُ قوتُه يوما إثر يوم، ولكنَه يُنتزعُ من هذا الجو في مشهدٍ ظاهرُه المحنةَ وفي طيِه المِنحةَ، إن خيرَةَ اللهِ كانت تدخرُ ليوسفَ ما كانت أفهامُ البشرِ تعجزُ عن إدراكِه أو استشفافِه، أعد النظرَ إلى البداياتِ ثم إلى النتائجِ واعتبر خيرَةَ الله الذي يعلمُ ونحنُ لا نعلم.

ثم أنظر إلى خَبرِ موسى عليه السلام:

موسى الذي يعيشُ ربيبا لفرعونَ، يعيشُ في بلاطِ الملك، يعيشُ في نعيمِ الترف، يعيشُ لذةَ التمتعِ بكل متعِِ الملوكِ والفراعنة، ثم يقدرُ اللهُ عليه قدرَه فإذا الملأُ يأتمرونَ به ليقتلوه، وإذا به يخرجُ من المدينةِ خائفا يترقب، ويصلُ على مدينَ لاغبا جائعا يرفعُ بصرَه إلى السماءِ بذلةٍ ومسكَنةٍ: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.

ماذا يقولُ المقياسُ البشريُ عن هذا المشهد!

ماذا يقولُ النظرُ القاصرُ عن هذه الفصولُ من خبرِ موسى؟ إنه إنسانُ فوتَ على نفسِه فرصا كثيرة، وتعرضَ لمتاعبا لم تكن أصلا في طريقِه، هكذا يقولُ النظرُ القاصرُ المحدود.

أما حكمةُ اللهِ وخيرَةُ الله فكانت تدخرُ لموسى شيئا آخر، تدخرُ لموسى ما هو أعظمُ من قصورِ الفرعون، وما هو أعظمُ من نعيمِ الترف، كانت تدخرُ له منصبَ الرسالة، وشرفَ النبوةَ، وأن يكلمَه ربُه بلا تُرجمان، وأن يكونَ من الخمسةِ الأوائلِ في تاريخِ البشريةِ كلِها، من أوليِ العزمِ من الرسل.

ماذا تساوي كلُ تلك المتعِ التي خسِراها في قصرِ الفرعون أمامَ خيرَةِ اللهِ المذكورةِ له.

ثم أنظر بعدُ إلى قصةِ الخَضِرِ وموسى عليهما السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت