يومَ ركبا السفينةِ فخرقها، لقد قال موسى بالعلمِ البشريِ: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، ولكنَ الخَضِرَ الذي كان يستشرفُ حكمةَ الله يرى إلى خيرَةَ اللهِ في هذا المصابِ لأهلِ السفينة، لقد كان وراؤهم ملكاً يأخذُ كلَ سفينةٍ صالحةٍ غصبا.
ثم الغلامُ يقتلُ تحتَ سمعِ موسى وبصرِه، على يدِ من؟
على يدِ الخَضِرِ، فماذا يقولُ العلمُ والنظرُ البشريُ في هذا المشهد: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً، ولكنَ خيرَةَ اللهِ لأهلِ هذا الغلامُ يستشرفُها الخَضِرُ عليه السلام، إن هذا الغلامُ لو عاشَ لأرهقَ والديهِ طغيانا وكفرا، فإذا قُتلَ أبدلهما اللهُ خيرا منه زكاةً وأقربُ رحما.
إن النظرةَ البشرةَ القاصرة، تنظرُ إلى مشهدِ الوالدينِ يومَ ولِدَ الولدُ ففرحا به، ويومَ قتلَ فحزنا عليه، لكنها لا تستشرفُ من في طيِ علمِ اللهِ من حكمةٍ وخيرَة.
ثم أنظر إلى هذا المعنى العظيمِ على مستوى الجماعة.
أنظر إلى مشهدِ المسلمينَ:
وهم يتسللون مستخفينَ يخرجونَ من مكةَ إلى المدينة، إن المشهدَ يريكهم وهم يخرجونَ مستخفينَ مشردينَ قد تركوا وطنَهم وهم له محبون، وتركوا أهلَهم ومالَهم وذوي أرحمَهم.
أي معنىً يوحي به ذلكَ المشهد، إنه الرثاءُ لهؤلاء المستضعفين الذينَ يتركونَ خلفَهم كلَ شيء، ويقدِمونَ إلى بلدٍ لم يحسبوا في حسابُهم البشريُ أن هناكَ ما ينتظرُهم به من متعِ الدنيا. إنهم يخرجونَ من بلدِهم يتسللونَ مشردينَ خائفين في مشهدٍ يثيرُ الرثاءُ إلى أرضٍ أخرى وقومٍ آخرين، ما الذي يمكن أن يوحيَ به هذا المشهد إذا أُخذ على حدتِه؟
جرد نفسَك عن بقيةِ المشهدِ وأنظر إليهم، أنظر إليهم وقد خرجَ كلُ منهم تاركاً دارَه، تاركا مالَه، تاركا أهلَه، ويممَ تلقاءَ المدينةِ، وليس هناكَ ما يُعدُ به من مال أو مأوى، أي نظرةٍ بشريةٍ تنظرُ إلى هذا المشهد هل يمكنُ أن يُفيضَ عليها ذلكَ المشهدُ إلا الرثاء لذلك المهاجرِ والرحمة له.
ولكن كانت خيرَةُ اللهِ المطويةُ في علمِه المحيط، تدخرُ لهم مشهدا آخرَ عظيما رائعا، إنه مشهد صُنعِ تاريخِ البشرية، وانطلاقِ الرسالةِ في طورٍ جديد، ووضعِ حجرِ الأساسِ لقيامِ الدولةِ الإسلامية، وإذا ذلكَ المشهد يولدُ نموا متتابعا يتمددُ في شكلٍ سريع تكلأهُ رعايةُ الله، ويتنزلُ عليه نصرُه وعونُه حتى يمدَ ذراعيه تضربُ أمواجُ المحيطُ الأطلسيُ على غربِه وترتاحُ جبالُ الصينِ على شرقِه.
إن خيرَة الله كانت مذخورةً لهؤلاء الذين خرجوا مستضعفينَ لم يوعدوا بشيءٍ من متاعِ الدنيا، وإنما وعدوا بالجنةِ.
ثم أنظر إلى مشهدٍ آخر.
أنظر إلى مشهدِ المسلمينَ وقد أناخوا بالحديبية:
قلوبُهم تتقطعُ شوقا إلى البيتِ العتيق أن تلتصقَ أحشاؤهم به، وأن تكتحلَ أعينُهم برؤيتِه، جاءوا على أملِ الطوافِ به، جاءوا على أملِ الصلاةِ في رحابِه، جاءوا ومعهم رسولُ اللهِ (صلى اللهُ عليه وسلم) ، لم يكونوا قلةً قلية بل كانوا ألفا وأربعمائة، كلُ منهم قد باعَ للهِ نفسَه.
وإذا بالمفاوضاتِ تدورُ بين محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) وكفارَ قريش، لتنتهي باتفاقيةٍ كانت بنودُها في ما يظهرُ للمسلمينَ جائرةً، فحزنت القلوبُ وتألمت النفوس، وعز عليها أن تصدَ عن البيتِ وقد اقتربت منه، وتردُ عنه وقد اقتربت منه، وترجعُ عنه وقد قدمت إليه، رجعت وفي القلبِ حسرة، وفي القلب غصة، وفي العين عبرة، حتى يجيَ عمرُ رضي الله عنه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بحُرقةِ المؤمنِ ولهفتِه يقول:
يا رسولَ الله ألسنا على الحق، أليسوا على الباطل، قال بلا، قال فلما نُعطي الدنيةَ في ديننا، قال إني عبدُ الله. يفعلُ ما يوحى إليه (صلى اللهُ عليه وسلم) ويصدرُ عن أمرِ ربِه.
إن النظرةَ البشريةَ لهذا المشهد تفيضُ على النفسِ الحزنَ أن يردَ هؤلاءِ ويرجعوا وفي يديهم اتفاقيةُ جائرة، أن يرجعوا هذه السنة، ويعودوا السنةَ القادمةِ وليس معهم من السلاحِ إلا سلاحُ المسافر، وليس لهم فرصةُ إلا ثلاثةَ أيامٍ يقيمونَها في مكة، ثم من لحق من المسلمينَ بالنبيِ (صلى اللهُ عليه وسلام) وهو من أهلِ مكةَ فإنَه يردُ إلى المشركين، أما من لحق بالمشركين مرتدا من المسلمين فلا يردَ إليهم، لقد كانت اتفاقيةً فيما يبدو للناسِ جائرة، ولكنها كانت فتحا مبينا، فلم يمضي بعد هذه الاتفاقيةَ إلا زمنا يسيرا وإذا بالمسلمينَ يسيرونَ إلى مكةَ في قطعانٍ كالليلِ البهيم، عشرةُ ألافِ سيفٍ كلُها تحيطُ برسولِ الله (صلى اللهُ عليه وسلم) ، تم تدخلُ مكةَ فاتحةً منتصرةً تتهاوى أصنامُها تحت أقدامِ النبي (صلى الله عليه وسلم) : وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً.
لقد كانت خيرَةُ اللهِ مدخرةُ لهؤلاءِ الذينَ رجعوا وفي قلوبِهم حسرة، وفي أنفسِهم لوعة، ولكن كانت خيرَةُ اللهِ مدخرةُ لهم في علم اللهِ المحيط.