ثم أنظر بعد إلى آلاف الأسرى من الروم ومن الفرس:
ومن أبناء الممالكِ التي فتحَها المسلمون، هؤلاءِ الذينَ دخل الإسلامُ بلادَهم وهم كارهون، هؤلاءِ الذين عاشوا آلامَ الهزيمة، ومرارةَ الأسر، ثم كان عاقبةَ ذلك دخولُهم الإسلام، فإذا هم يتبوءون نعيمَ الهداية، ويحرزونَ فوز الآخرة، ثم لا أسفَ بعد ذلكَ على ما فات من الدنيا. لقد كان مشهدُهم في نظرِهم وهم يهزمونَ على أيدي المسلمينَ مشهدا يثيرُ الرثاء، ولكنَه كان في حقيقتِه أنهم كانوا يقادونَ إلى الجنةِ في السلاسل يومَ دخلوا هذا الدين فعرفوا لذة الانتماءِ إليه، ونعيمَ الهدايةِ في ظلالِه.
وهكذا لا تزالُ تجدُ في حياةِ الأفرادِ والجماعاتِ من الوقائعِ المماثلةِ ما يملئُ القلبَ ببردِ اليقينِ إلى خيرَةِ اللهِ جل وعلا التي قد تكونُ في ما يكرههُ عبده أو عبادُه.
كم رأينا ببصرِ أعيننِا داعيةً يضيقُ عليه في بلدِه فيخرجُ منها أو يُخرَجُ منها فيجدُ في أرضِ اللهِ مراغما كثيرةً وسعة، يجدُ بلادا تؤويه وتُعزُه وتنصُرُه وتمكنُ له.
كم رأينا داعيةً يُقتَلُ لإخمادِ ذكرِه، فيزيدُه اللهُ بهذا القتلِ شرفا إلى شرفِه، ويزيدُ ذلك في ذكرِه ذكرا، ويزيدُ ذلك في عزِه عزا، وإذا آثارُه تلقى بعد موتِه قَبولا، كما قال سيد قطب رحمَه الله: إن كلماتِنا ستظلُ عرائسَ من الدمعِ هامدةً، فإذا أسقيناها بدمائِنا انتفضت وسارت فيها الحياة، وهكذا كان، لقد كان دمُ السيدِ القطب حياةً دافقةً في كلماتِه هزتها ودفقت فيها الحياة.
أيها الأخُ المبارك: إن علينا أن نعيَ جيدا أنه قد يكونُ من خيرَةِ اللهِ للعبد ملاقاتُه لما يكرهُه، ولكن العبرةَ بالعاقبة، وقد قال اللهُ جل وعلا: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، واللهُ يعلمُ وأنتم لا تعلمون.
إن الإنسانَ عاجزُ عن معرفةِ المستقبل، بل الإنسانُ عاجزُ عن انتظارِ المستقبل: وكان الإنسانُ عجولا.
ولذلك قد يقابلُ الإنسانُ ما يكرهُه، ولكن خيرَةَ اللهِ مطويةً في ذلك، وخذ مثالا على ذلك، الإمامُ النوويُ رحمَه الله:
فقد بدأ حياتَه العلميةَ دارسا للطب، فبدأ يقرأُ كتابَ القانونَ لأبنِ سيناء، فوقعَ في قلبِه كرهُ لهذا العلم، وبلادةُ عن فهمِه حتى ضاقَ به ذرعا، فألقى كتابَ أبنِ سيناء جانبا، وأتجَه إلى الذي هو خير، إلى العلمِ الشرعي، ففتحَ عليهِ فيه فتحا مبينا، فإذا أثارُه لا تزالُ إلى اليومِ تنطقُ بالدعاءِ له، كم تذكرنا ذلكَ الإمامَ النووي ونحن نتسأل كم من مساجدِ المسلمينَ يُذكرُ فيها الإمامُ النوويُ عصرَ كلِ يوم فيقولُ إمامُ الحي: قال الإمامُ المؤلفُ رحمَه اللهُ تعالى، ثم يقرأُ فصولا من رياضِ الصالحين! كم يرفعُ لهُ من دعاءٍ في كلِ يوم! أي فضلاٍ أحرزَه، وأي شيءٍ قد فاتَه يومَ فاتَه كتابَ القانونِ لأبنِ سيناء.
وهكذا في حياةِ الإنسانِ قد يخسرُ في تجارة، قد يفقدُ نصيبا من أعراضِ الدنيا يكونُ في ذلك توفيرُ لدينِه، وعصمةُ لعرضه، وحفظُ لإسلامِه: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً.
ولذا فإن القلوبَ لابدَ أن تربى على التسليمِ لله، والتفويضِ إليه كما علمَ النبيُ (صلى اللهُ عليه وسلم) البراءَ في دعاءِ النوم الذي هو آخرِ ما يقولُ العبد: اللهم إني أسلمتُ نفسي إليك، ووجهتُ وجهي إليك، وفوضتُ أمري إليك، وكما قال مؤمنُ آل فرعون: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّه.
علينا أن نربيَ أنفسَنا على إحسانِ الظنِ باللهِ جل جلالُه، قال الإمامُ أبنُ القيم رحمه الله: حسنُ الظنِ باللهِ يدعو إلى التوكلِ عليه، فإنكَ لا تتوكلُ إلا على من ترجوه، لابد أن يأويَ المؤمنُ من التفويضِ لله، وحسنُ الظنِ بالله، والثقةِ بالله، أن يأويَ من ذلك إلى رُكنٍ شديد.
علينا بعدَ ذلك أن نعيَ قضايا:
أولُها وأهمُها أننا عندما نرى الظلمَ يحدث:
فعلينا أن نتذكرَ أنه لا يحدثُ في غفلةٍ من الله، ولا في جهلٍ من الله، ولا في عجزٍ من الله، أنظر إلى نبيِ اللهِ يوسفَ عليه السلام يرسلُ إلى العزيزِ قائلا: فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ، إن كيدَهُن لم يكن يحدثُ في غفلةٍ من الله، لقد كدنَ لي وربي عليمُ بكيدِهن، ولذا فإن المؤمنَ إذا رأى ظُلمَ الظالمين، ينبغي أن يتذكرَ أن هذا الظلمَ لا يحدثُ في غفلةٍ من الله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ.
ثانيا علينا أن ننظرَ إلى الهزائم:
لا على أنها الماحقةُ والقاصمة فتُورثُنا الإحباطَ، ولكن رب هزيمةٍ كانت بدايةَ الانتصار، ربا هزيمةٍ جاءت لتربي الأمةَ وتعدُها لتستقبلَ انتصارا يليقُ بها.