فهرس الكتاب

الصفحة 6246 من 9994

#في ظل سباق الهيمنة الهدفية بوصلة التقدم وطريق النجاح

عندما تخرج الحياة من إطار هدفها فإنّ كل شيء فيها سيرتطم بجدار الفشل أو يدور في حلقة الفوضى، ذلك لان الله ـ تعالىـ قد رسم لها سنناً رشيدة تسير على ضوئها ومن دون هذه السنن تكون الحياة ضارة، بل وتصبح حينئذ وبالاً على الاحياء فيها من عامة الناس.

والذين يعيشون مثل هذه الحياة هم الخاسرون الحقيقيون الذين خسروا حياتهم الدنيا وما أعطاهم ووهبهم الله فيها من نعم بعد ان قدموا اليها حفاة عراة لا يملكون شيئاً.

ومن أجل ان نتجاوز هذه الفوضى لابدّ لنا من ان نتعرف على الهدف الذي جئنا من أجله، ومن أجله أيضاً نسير وإليه نعود.

والسؤال عن ماهية الهدف والسعي لمعرفة كنهه ليس سؤالاً عابراً بل هو سؤال عظيم بحجم عظمة الانسان وكثرة مشاكله، ولذلك كان لزاماً علينا أن نتأمل هذا السؤال ونتدبر فيه، ونطرحه على أنفسنا في كل آن، ومتى ما عرفنا حكمة الحياة وهدفها فانّ كل شيء سيكتسب آنئذ معنى واضحاً وسمة مميزة، فحالة الحيرة والضياع التي يعيشها الانسان في هذا العالم تشبه حيرة الرجل البسيط الساذج حينما نضع بين يديه جهاز الكومبيوتر فيقلبه بين كفيه دون أن يفقه شيئاً عنه لانه لا يعرف الهدف المتوخّى من صنع هذا الجهاز.

فالانسان الذي يتعلم العلم للعلم، والأدب للأدب، والفن للفن، وكلّ شيء لذاته دون تعيين هدف عال يسمو اليه، هذا الانسان سوف لا يضل ويتيه في طريق الحياة فحسب وإنما سيضل الاخرين معه، فينطبق عليه حينئذ الحديث القدسي: (أولئك قطاع طريق عبادي اليّ) ، فهو يضل الآخرين ويقطع الطريق عليهم لانّه لا يعرف هدفه وبذلك لن يستطيع أن يهب الهدف للآخرين لإنتفائه عنده، كما تقول الحكمة المعروفة: (فاقد الشيء لا يعطيه) ، فكل علم أو عمل مجرد من الهدف إنما يهدي الى العواقب الوخيمة.

وقد ورد في أيات من سورة هود من الآية 112 وحتى 120 تحديد من قبل الله تعالى للهدف من خلق الانسان وأيضا ملامح الرسالة والرساليين عبر ما يذكره ـ تعالى ـ من قصص تاريخية مقتطفة من حياة الانبياء - عليهم السلام- إعتباراً من آدم - عليه السلام- وحتى نبيّنا الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ وما عانوه من محن وكوارث وعقبات في طريق الدعوة الى الله وصبرهم وتجلدهم ازاء ذلك كلّه.

فهو ـ سبحانه وتعالى ـ يحدد هدف الانسان الرسالي عندما يأمر نبيّه صلى الله عليه وآله وصحبه وبالإستقامة باعتبارها أسمى وأعلى هدف في الحياة الدنيا: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) ، فعلى الرسول صلى الله عليه وآله أن يستقيم وكذلك من تاب معه، واتبع منهجه، وسلك خطه.

والله ـ عز وجل ـ يحدد في هذه السورة الخطى التي يجب على الرسالي أن يخطوها، خطى تلك الصفوة المؤمنة التي تستحق أن تقود الحياة، وينبغي لها أن تكون صابرة متجلّدة صامدة أمام الصعاب كي تكون بمنزلة انبياء بني إسرائيل.

وعلماء الاسلام وطلبة العلوم الدينية السائرون على خط الرسول- صلى الله عليه وآله- هم الذين يجب ان يشكلوا هذه الفئة المؤمنة الصابرة وأن يستقيموا كما استقام الرسول ومن كان معه من الصحابة في صدر الاسلام، وان لم يفعلوا فما هم بالسائرين على خط النبيّ صلى الله عليه وآله.

إن الله ـ تعالى ـ يحدد في تلك الآيات مسؤولية هؤلاء الرساليين الصابرين مرة آخرى داخل إطار وظيفة الاصلاح، والنهي عن الفساد. فالله ـ عزّ وجل ـ يؤكد على ضرورة حمل الرساليين لهذه الرسالة لانها الوسيلة الوحيدة للنجاة والظفر في الدنيا والآخرة.

فقال تعالى: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض إلا قليلا ممّن أنجينا منهم…) .

هؤلاء الرساليون قليلون ولكنهم رغم ذلك يقومون بعمل عظيم وهو أيقاف زحف البشرية نحو النهاية المدمرة، فالعالم اليوم يسير بخطوات واسعة وحثيثة نحو الهاوية من خلال الحروب المستعرة فيه وما دام العالم يعيش هذه الحالة الخطيرة والاوضاع المتردية يتحتم على العلماء أن يتحدوها ويغيروها، فهم خلفاء رسول الله - صلى الله عليه وآله - ولابدّ لهم من أن يصلحوا العالم حيث تنبع من هذا الاصلاح مسؤوليتهم ووظيفتهم وبذلك تثبت إستقامتهم.

ثم يقول ـ تعالى ـ: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) . ففي هذه الآية إشارة الى ان الاختلاف الموجود بين الامم هو أحد أسباب الحرب والدمار في العالم ولا ينجو من هذا الدمار الاّ من إستحق رحمة الله: (ولا يزالون مختلفين * الاّ من رحم ربّك) .

وهؤلاء الذين يستحقون الرحمة هم المؤمنون المصلحون الذي انضووا تحت لواء (اولو بقيّة ينهون عن الفساد في الارض) ، فكانوا ممّن أنجاهم الله، وكانوا من المخلصين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت