فهرس الكتاب

الصفحة 6247 من 9994

ثم يستأنف ـ تعالى ـ قائلا: (وكلا نقصّ عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) . فالقرآن وقصصه ذكرى وموعظة، كما ان الله ـ تعالى ـ يشير الى منهجية العلم، فاذا كان العلم وسيلة من أجل تحقيق هدف إنقاذ الناس وإصلاحهم فإنّ منهجيّته تختلف تبعاً لهدفه.

فلو أردنا مثلا أن نصلح شعباً من الشعوب فعلينا أولا أن ننهج طريق تعلم لغته: (وما أرسلنا من رسول الاّ بلسان قومه) ، وهذا المنهج لا يقتصر على تعلم لغتهم بل يشمل أيضاً التعرف على نفسياتهم وطباعهم وعاداتهم وما نرد به ضلالاتهم وزيف معتقداتهم، فهؤلاء بحاجة الى من يتوجه اليهم ليبلغهم الاسلام الصحيح قبل أن يسعى اليهم الآخرون ليحرفوا أفكارهم عن الطريق الصائب القويم.

ولقد ابتدع الاستكبار العالمي مذهباً جديداً اسماه (الاسلام العيسوي) ورفد لنشر هذا المشروع الف مليون دولار، بالاضافة الى تأسيس معاهد ومدارس لتخريج المبلغين الذين يدعون الى هذا الاسلام الجديد، وقد جرب الاستعمار جيمع أنواع المذاهب وصدّرها الى المسلمين فوجد لها نجاحاً في بعض الاوساط وكان الاسلام العيسوي هو آخر ما صدّره الغرب الينا من مذاهب ومعتقدات مزيفة.

والتصدي لهذه الضلالات الاستعمارية هو وظيفة العلماء الأولى، فاذا ظهرت البدع في الأمّة فعليهم ان يفندوها في أسرع وقت ممكن.

وعلى هذا ينبغي ان يكون للعلم هدف، اما إذا إنسلخ العلم عن هدفه فانه سيضيع في متاهات الحياة ليضيع الناس معه، وهدف العلم هو إصلاح العالم فعلى العالم أن يتعلم الدين والحياة بعمق ذلك لان السياسة (التي هي جزء من امور الحياة) ليست جزءاً منفصلا عن الدين، وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والعلوم الحديثة الاخرى، وهذه العلوم بدورها ليست بمعزل عن وظائفنا بل هي جزء منها لاننا نريد ان نصلح عالما يتحدث بلغة هذه العلوم، ولان ضلالات كثيرة قد أفتعلت في هذه العلوم علينا أن نفندها بنور الاسلام والقرآن.

فالمطلوب من الانسان المؤمن أن يقرأ القرآن، ويتدبر في آياته دوماً ثم ينتقل بعد ذلك الى العلوم الحديثة، فقراءة القرآن ضرورة لانه مصباح هدى وبصيرة للمؤمن الرسالي الواعي، ودراسة العلوم ضرورة ايضا‍ً لانها تمثل لسان الناس وطبيعتهم، وهي بالاضافة الى ذلك معلومات ومعارف عن هذا العصر تضاف الى معلوماتنا، وبذلك يصبح العلم هدفا‍ً يتمثل في ردّ ضلالات الاستعمار.

كما ينبغي ان تعم الهدفية كلّ المعارف كالفن وغيره، ولكننا وللأسف الشديد نرى هناك طلاقاً قد حصل بين الأدباء والشعراء وبين مآسي الأمةّ ومحنها وهذا هو ما يريده الاستعمار.

وهكذا نرى ان عملية تلقي العلوم والآداب باتت ضرورة من ضرورات العصر، فعبر الادب- مثلاً- نستطيع تعلم فن كتابة القصة ومن خلال هذا الاخير يمكننا الدعوة الى الخط الذي التزمناه في الحياة، وعبره يصبح بمقدورنا نشر فكر الرسالة والتحدث عن آفاقه وأبعاده.

فالتعلم واجب ملقى على عاتقنا، وهو حجة الله البالغة علينا يوم القيامة حيث يقول- تعالى- للانسان: هلاّ عملت؟ فيقول الانسان: لم أكن لأعلم، فيأتيه الخطاب الالهي: وهلاّ تعلمت؟

فالعلوم بصورة عامة والآداب بصورة خاصة هي موهبة تحتاج الى تنمية، وهي قوة كامنة تحتاج الىمن يفجرها، فعلى كل من يشعر بقوة كامنة في داخله ان يبادر الى تحويلها الى فعل وحركة وانتاج، وعندما نحوّل هذه القوة الى طاقة متفجرة علينا ان نضع اهدافنا نصب أعيننا، فالهدف هو الاصلاح، وان نكون ممّن تشملهم الآية:

(فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقيّة ينهون عن الفساد في الارض) .

فالنهي عن الفساد، والاصلاح هما الهدف الذي ينبغي ان نحدّد مسيرتنا وفقه، ونكيّف برامجنا معه، وحينئذ نرجو ان نكون ممّن انجاهم الله، واصطفاهم من سائر خلقه مع من اصطفى من المحسنين المصلحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت