فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أو يدخل وقت صلاة مفروضة وفيه أناس يستحي منهم أن يترك الصلاة، ولو كان وحده ما صلى، ومثل ذلك الصيام لو كان مع أناس أهل دين وطاعة صام، ولو كان وحده أفطر، ومثل ذلك حضور الجمعة ولو لا خوف الذم لما حضرها، ومثله صلة الرحم وبر الوالدين إذا كان يصلهم خوفا من الناس أو رجاءً منهم، لا يفعل ذلك ابتغاء وجه الله، فكم من أعمال يتعب الشخص فيها نفسه، ويظن أنها خالصة لوجه الله، بل يكون فيها مغروراً لأنه لا يخاف عليها أتقبل عند الله أم لا؟ فبالخوف والحذر يتفقد العبد أعماله، ويحرسها من الرياء ومن كل ما يبطلها حتى تكون خالصة مقبولة عند الله، وإن من الفوائد التي يجنيها المخلص بعمله أن صدره ينشرح للإنفاق في وجوه البر، فتجده يؤثرها بجانب من ماله ولو كانت به حاجة.
ومن فوائد الإخلاص أنه يُعلّم صاحبه الزهد في الدنيا فلا يمنعه عرض من الدنيا قدم له من أن يقول الحق أو ينكر على باطل ولو أعطي الشيء الكثير من المال.
ومن فوائد الإخلاص أنه يحمل المعلّم أن يبذل جهده لإيضاح ما خفي على التلميذ، وأن يحرص على اتباع طريقة في التدريس تجدد نشاط الطلاب وتشجعهم على المزيد من العلم.
ومن فوائد الإخلاص أنه يمنع التاجر من الخيانة، فلا يغش في البضاعة أو في قيمتها، ومن فوائد الإخلاص الإتقان في العمل، يَحْمل صاحبه على أن يحسن العمل ويأتي به كاملاً.
ومن فوائد الإخلاص أنه يحمل صاحبه على الابتعاد عن الرشوة. ومن فوائده أيضاً: أنه يحمل المسؤول مهما كانت مسؤوليته، أن يختار للأعمال الأتقى والأرضى والأكُفاء، عملاً بقوله: (( من استعمل رجلاً على عصابة - أي جماعة - وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ) ).
ومن فوائد الإخلاص أن العمل الخالص القليل منه يجزي كما قال النبي لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: (( أخلص دينك يكفيك العمل القليل ) ).
ومن أعظم فوائد الإخلاص أن العبد لا ينجو من الشيطان وكيده ومكره إلا بالإخلاص كما قال تعالى إخباراً عما قاله إبليس لعنه الله: قال فبعزّتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين .
ومن فوائد الإخلاص أنه يميز العمل من العيوب كتميز اللبن من الفرث والدم، فأخلصوا أعمالكم أيها الناس، فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا من خلص له، واحذروا أن يدخل عليكم الشيطان من باب الرياء، فيفسد عليكم أعمالكم ويوقعكم في الإشراك بربكم واستعينوا في ذلك بدعاء الله والاستعاذة به من نزغات الشيطان ومكره وخداعه، فإنه سبحانه أرشدنا إلى الاعتصام به من الشيطان بالاستعاذة فقال: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم.
حمد بن إبراهيم الحريقي
الرياض
البساتين
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-تعريف الرياء. 2- تحذير النبي من الرياء. 3- عقوبة الرياء في الآخرة. 4- من صور الرياء. 5- أسباب الرياء. 6- طلب الدنيا بالدين. 70 نصيحة للمرائي.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، واعلموا أن منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة والله خبير بما تعلمون.
أيها المسلمون:
لقد تحدثت في الجمعة الماضية عن الإخلاص وأحوال المخلصين وآثار الإخلاص واليوم نتكلم عن ضد الإخلاص الذي هو الرياء، وخطره وضرره.
عباد الله: اعلموا وفقني الله وإياكم للإخلاص في الأقوال والأعمال أن الرياء مشتق من الرؤية كما أن السمعة مشتقة من السماع والاستماع حيث يريد المرائي والمسمع أن يراه الناس ويسمعونه، فهو يطلب حظ نفسه من عمله في الدنيا لينال الحظوة عند الناس، فأعماله لغير الله تعالى.
أيها المسلمون: إن الرياء هو الشرك الخفي الذي هو أخطر على المسلمين من فتنة المسيح الدجال يقول عليه الصلاة والسلام: (( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ) )فقال الصحابة رضي الله عنهم: بلى فقال: (( الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ) ).
عباد الله: إن الرياء يفرغ العمل الصالح من آثاره الطيبة، فالمرائي حينما يؤدي الصلاة فإنما يؤديها بحركات فقط فيتقنها ويزينها لأن أعين الناس تنظر إليه ولكن قلبه لم يعيها ولم يستحضر حقيقتها ولم يستشعر عظمة الله جل وعلا الذي هو بين يديه، ولذلك لم تترك الصلاة أثرها في قلبه وعمله، فالرياء شر وبلاء يبطل العمل ويصيره هباء منثورًا.
أيها المسلمون: إن الرياء والسمعة يورثنا الذلة والصغار ويحرمان ثواب الآخرة قال عليه الصلاة والسلام: (( من سمع الناس بعمله سمع الله به مسامع خلقه، وصغره وحقره ) ) [رواه الطبراني] .
قال الحق جل وعلا: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ [الشورى:20] .
عباد الله: ضروب الرياء كثيرة، وشوائبه خطيرة، من ذلك أن يترك الإنسان المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح من مجاهدة النفس حيث يجد لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار فيظن أنه من المخلصين، ولكنه في الحقيقة من المنافقين المرائين، وهذه المكيدة العظيمة والداء الدفين لا يخلص من شراكه إلا من عرف ربه حق المعرفة فأحبه وعظمه وأحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فعسى أن يكون من المخلصين. ومن ضروب الرياء أن يريد الإنسان بعبادته وجه الله، فإذا اطلع عليه الناس نشط في العبادة وزينها قال صلى الله عليه وسلم: (( إياكم وشرك السرائر قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الناس إليه ) ) [أخرجه ابن خزيمة] .
أيها المسلمون: ومن أحوال الرياء والسمعة ما يكون على البدن أو في اللباس أو القول أو العمل كإظهار النحول في الجسم والاصفرار في الوجه ليوهم من رآه بأنه قليل الأكل وأنه يجاهد نفسه في العبادة، وقد يرائي الإنسان بإطالة القيام في الصلاة وإظهار الهدوء في المشي وتنكيس الرأس وخفض الصوت ولبس الثياب الغليظة والملابس الخاصة ليعده الناس من الزهاد والعباد أو من العلماء.
وقد يكون الرياء عند أهل الدنيا وذلك كأن يرائي الإنسان بإظهار السمن وصفاء اللون وانتصاب القامة وحسن الوجه ونظافة البدن والتشدق في القول ليدل الناس على فصاحته ويرائي بثيابه النفيسة الغالية ومركبه الحسن وأثاث بيته الفاخر وغير ذلك مما يسبب له الاختيال والتبختر.
وليعلم الجميع أن الرياء من صفات المنافقين الذين قال الله عنهم: وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاءونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء:142] .
المنافقون ـ جنبني الله وإياكم طريقتهم ومنهجهم ـ يراؤون الناس في عبادتهم وصلواتهم ونفقاتهم ولا يذكرون الله إلا رياء وسمعة عياذًا بالله، ولو لم يكن في الرياء إلا أنه من صفات المنافقين لكان جدير بك أيها المسلم أن تحذره فكيف وهو محبط للعمل.