فهرس الكتاب

الصفحة 8222 من 9994

[5] قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في"رفع الملام" ( مجموع الفتاوى 20/231) وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ، والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول ، والثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع على أسباب متعددة: السبب الأول أن لا يكون الحديث قد بلغه ، والسب الثاني أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده ، السبب الرابع اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطاً يخالفه فيها غيره ، السبب الخامس: أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكن نسيه ، وهنا يرد في الكتاب والسنة ، السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث ، السبب السابع: اعتقاده أن لا دلالة في الحديث والفرق بين هذا وبين الذي قبله أن الأول لم يعرف جهة الدلالة ، والثاني عرف جهة الدلالة لكن اعتقد أنها ليست صحيحة ، السبب الثامن: اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل عل أنها ليست مراده ، السبب التاسع: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله إن كان قابلاً للتأويل بما يصلح أن يكون معارضاً بالاتفاق ، السبب العاشر: معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارضاً أو لا يكون في الحقيقة معارضاً راجحاً ، فهذه الأسباب العشرة ظاهرة وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها ، فإن مدارك العلم واسعة ولم نطلع نحن جميع ما في بواطن العلماء انتهى مختصراً .

[6] روى معناه أحمد ( 1/337 ) والخطيب في الفقيه والمتفقه ( ص 144) وابن عبد البر في بيان العلم وفضله ( ص 570) من طريق شريك عن الأعمش عن الفضيل بن عمرو قال: أُراه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتع النبي صلى الله عليه وسلم فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عباس ما يقول عروة ؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ، فقال ابن عباس أراهم سيهلكون أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم ويقول نهى أبو بكر وعمر . أ . هـ وفي سنده شريك من عبد الله القاضي وفيه ضعف يسير .

و للأثر سندُ آخر رواه إسحاق بن رهويه في مسنده ( كما في المطالب العالية ) 1/360 رقم 1214) ورواه ابن عبد البر في ( بيان العلم ) تعليقاً ( 570) ورواه الخطيب في الفقيه ( 1/145) وأبو مسلم الكجي ( ذكره ابن القيم في الزاد 2/206) من طريق أيوب عن ابن أبي مليكه عن عروة - به - قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح . وقد روى هذا الأثر معمر عن أيوب فأسقط ابن أبي مليكه ، لكنّ الصواب ذكر ابن أبي مليكه كذا ر واه حماد بن زيد عن أيوب . والله أعلم . وأما اللفظ المذكور: وهو يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ... فلم أجده لكن ذكره ابن القيم ولم يعزه لأحد كما في الزاد 2/195 .

الحمد لله وبعد ،،

فلقد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم والبشرية في جاهلية جهلاء، لم يبق من نور النبوة إلا ما كان عند بعض أهل الكتاب، كما يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب"فمنّ الله سبحانه وتعالى على البشرية ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه وتعالى: (( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ) ) (الفرقان:1) ، وقال: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ) (الجمعة:2) وسعد ببعثته صلى الله عليه وسلم المؤمنون الذين قبلوا دعوته وآمنوا به وبما جاء به، لذا خصهم بهذه المنّة بقوله: (( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ) (آل عمران:164) .

فأخرج الله سبحانه وتعالى بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم من شاء من عباده من الظلمات إلى النور، كما قال سبحانه: (( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) ) (إبراهيم: من الآية1) .

فبلّغ صلى الله عليه وسلم الرسالة، وأدى الأمانة، وأبان توحيد الله، وأبطل معالم الشرك، وقد أظهر الله دينه على الدين كله، كما قال سبحانه: (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ) (التوبة:33) ، وقام بدعوته من بعده أصحابه، ففتحوا البلاد بالسيف السنان، وفتحوا القلوب بالحجة والبيان عن السنة والقرآن، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، كما في الحديث الصحيح: ( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء ) .

قيل: ما الغرباء يا رسول الله؟ قال:"الذين يصلحون إذا فسد الناس"، وجاء في الحديث:"إن الله يبعث على رأس كل قرية من يجدد لهذه الأمة أمر دينها"وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله سبحانه وتعالى.

وقد وقع كما أخبر، فمع ما ابتلي به الإسلام والمسلمون من كيد الأعداء من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين، مع ذلك لم يزل الإسلام قائماً محفوظاً بحفظ الله، وبما قيض له من الحَمَلة من أهل العلم والإيمان، كما في الحديث المشهور: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتحريف القالين) ومما يصدق ذلك أنه لما وقعت الردة في العرب بموت النبي صلى الله عليه وسلم قيض الله الخليفة الراشد أبا بكر الصديق رضي الله عنه ومعه الصحابة فجاهدوهم حتى رجع من شاء الله له السعادة، وهلك من قضى الله عليه بالشقوة، واستقر أمر الإسلام، وسارت جيوش المسلمين في فتح البلاد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وعندما ظهرت الخوارج والرافضة السبئية في عصر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتل الخوارج بمن معه من الصحابة، وقتل السبئية، فقمع الله به هاتين الطائفتين، مما جعل الله في ذلك ترسيخاً للإسلام وقمعاً للباطل وأهله.

وعندما ظهرت بدعة الجهمية قيض الله لها العلماء والأمراء العادلين فحاربوها، وقتل رأس الجهمية الجهم بن صفوان، ولما قامت الدعوة إلى القول بخلق القرآن في خلافة المأمون أنكرها العلماء، وردوا شبهات المبتدعين وصبروا على الامتحان، وبرز في ذلك الإمام أحمد وابتلي في ذلك بلاء شديداً، فصبر وأظهره الله على خصومه حتى عرف في الأمة بإمام أهل أسنة.

وبعد أن مرت قرون، مضت القرون الفاضلة وبعدها قرون، ودرس كثير من معالم السنة، قيض الله شيخ الإسلام ابن تيمية، فأحيا السنة، وجلاّها بالأدلة الشرعية والعقلية، وزيّف شبه المبتدعين، ورد على كثير من طوائف الضلال من النصارى والفلاسفة والرافضة والمتكلمين، وله المؤلفات العظيمة في ذلك، مما كان مصدراً لدعوات التجديد، تجديد دين الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت