وختاماًً: أكرر الدعوة للقائمين على هذه القناة بالتوبة إلى الله عز وجل من هذه الجرأة العظيمة على شعيرة من شعائر الله وطرحها للاستفتاء وكذلك التوبة من آثامهم الأخرى الكبيرة في قناتهم المفسدة وأن لا يعودوا إلا مثلها أبدا، و والله لن ينفعكم ما أنتم فيه من صحة وتمتع بهذه الدنيا الفانية فإنما استدراج من الله عز وجل وإن هي إلا أيام ،أو شهور ،أو سنوات معدودة وتلاقون فيها الموت الذي تفرون منه وتقوم قيامتكم وعندها لا تسألون عن الحسرة العظيمة التي تحيط بكم وعندها لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً وعندها تنظرون إلى متاعكم الزائل كأنه ساعة من نهار وتدبروا قول الله عز وجل {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء:205-207]
أسأل الله عز وجل أن يهدي ضال المسلمين وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه وليه ويذل فيه عدوه ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنه سميع مجيب والله أعلم والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله وحده، والصلاة على سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد إن الحديث عن اخطر عدو للبشرية على الإطلاق لمن الأهمية بمكان. خاصة وان هذا العدو يملك من السلاح والعتاد ما يعجز البشر عن الصمود أمامه ، ولا يمكن لهم مواجهته والانتصار ما لم يكن لديهم ، أضعاف ذلك السلاح من الإيمان وقوة اليقين ذلك هو إبليس لعنه الله واخزاه ، وخطره يتبين لنا من أمور:
الأول: انه يرانا ولا نراه قال تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) الأعراف27
الثاني: انه يجري من ابن ادم مجرى الدم ، كما في الحديث المتفق عليه عن صفية بنت حيي أم المؤمنين - رضي الله عنها - تقول: « كان الرسول صلى الله عليه وسلم معتكفاً - أي في المسجد فأتيته أزوره ليلا ، فحدثته ، ثم قمت لأنقلب ، أي لأرجع إلى بيتي فقام معي ليقلبني - أي يرافقني - فمر رجلان من الأنصار - رضي الله عنهما - فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال صلى الله عليه وسلم « على رسلكما إنها صفية بنت حيي » فقالا: سبحان الله يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الشيطان يجري من ابن ادم مجرى الدم ، واني خفت إن يقذف في قلوبكما شرا ، فيقال شيئاً »
الثالث: شدة التحذير منه ، وبيان عداوته في الكتاب والسنة وما ذاك إلا لما علم منه سبحانه فهو خالقه العليم به ومن الآيات المحذرة منه قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) البقرة: الآيتان 168- 169 . وقوله سبحانه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) البقرة 208 ، وقوله تعالى: ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) يس60 ، قال ابن كثير - رحمه الله - « هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم ، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين ، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم » أ.هـ تفسير ابن كثير ص 119 ط . دار السلام .
الرابع: تفننه في أساليب الإغواء والخداع فربما فتح أبوابا عظيمة من الخير ليصل إلى باب واحد من الشر فيزين ويمني ويعدّ وما يعدهم إلا غرورا كما بيّن ذلك سبحانه في قوله: ( لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ) النساء119-120 .
الخامس: غفلة الكثير عنه وأنه سبب كل شر في هذا العالم ، قال ابن القيم - رحمه الله - « فإنه لا ينجو من عدوة إلا من عرفه ، وعرفه طريقة التي يأتيه منها وجيشه ، الذي يستعين به عليه ، وعرف مداخله ومخارجه وكيفية محاربته ، وبأي شيء يحاربه وبماذا يداوي جراحه ، وبأي شيء يستمد القوة لقتاله ودفعه ، وهذا كله لا يحصل إلا بالعلم فالجاهل في غفلة وعمى عن هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم » أ.هـ مفتاح السعادة ( 1/206) .
السادس: إن كل إنسان قد وكل به قرين من الجن كما في الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « ما منكم من احد إلا وقد وكل به قرينه من الجن » قالوا: وإياك ؟ يا رسول الله: قال: « وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير »
السابع: انه لا يفتر يقظة ولا مناماً فهو عدو البشرية وهو الذي اخرج أبانا آدم من الجنة ، قال ابن القيم - رحمه الله - « إن الله سبحانه بحكمته سلط على العبد عدوا عالما بطرق هلاكه ، وأسباب الشر الذي يلقيه فيه متفننا فيها خبيراً بها حريصاً عليها ، لا يفتر يقظة ولا مناماً ، ولا بد له واحدة من ست ينالها منه .. الخ » مفتاح دار السعادة ( 1/206 )
وسيأتي بيان هذه الست في المقام القادم - إن شاء الله تعالى - وفقنا الله وإياكم لطاعته ، وعصمنا من كيد عدوه ، وثبتنا على الحق وعلى صراط مستقيم .
من طبيعة النفس البشرية أن تكون ذات تطلع وطموح للتفوق والعلو والرفعة وقد هذب الإسلام هذا التطلع ووجهه فحذر من السعي لتحقيق العلو لأجل التكبر على الناس وإذلالهم والمباهاة والمفاخرة بذلك لأنه يقود إلى الفساد والإفساد في الأرض على مستوى أخلاق الناس وقيمهم بل وحتى أديانهم ، فجعل جزاء ذلك الحرمان من نصيبه الأخروي قال جلَّ وعلا" {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } القصص83 . قال عليه الصلاة والسلام:"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"وغير ذلك من الآثار المحذِّرة من هذا النمط من التعالي على الناس والتكبر عليهم والاستبداد بهم وتسخيرهم . وفي مقابل ذلك بين الإسلام ما هو العلو الحقيقي وبماذا يكون ؟ فبالإيمان والاعتزاز بالدين والانتماء لخير امة يكون العلو الحقيقي ، بل هو غاية العلو قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } آل عمران139 . فالنص يرد بصيغة التفضيل المطلق ( الأعلون ) أي لا احد من الناس أعلى منكم ، فلا مجال للانكسار أو الوهن أو الحزن والتحسر أو الإحباط واليأس ما دمتم أنتم الأعلون بما تحملونه من عقيدة وإيمان ورسالة عظيمة وقيم وأخلاق تتهاوى أمامها كل المبادئ والقيم الأرضية ."