فهرس الكتاب

الصفحة 3427 من 9994

#الغلو معالمه ومخاطره( 1 )

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

فمن حديثنا السالف في جمعتنا الماضية جاءني من الاخوة المصلين من هو مستحسن وموافق ، ومن هو طالب ومستزيد ، ومن مازال عنده بعض حيرة وتساؤل ، ولأننا كما تعودنا دائما نؤكد ونذكر أنفسنا بقصد وجه الله - سبحانه وتعالى - والإخلاص له ، وإرادة الخير والهدى والمصلحة لأمة الإسلام والمسلمين ..

نشرع في بيانٍ قد يطول لكنه مهم ومفيد ، ولأننا وكما أكدنا كثيرا في السابق لا نريد أن تكون أقوالنا وأحاديثنا ردود أفعال مؤقتة ، أو عواطف متأججة لا يخالطها أصالة المنهج العلمي ، واتزان التفكير المنهجي ؛ ومن ثم فإن بعض الذين رأوا أهمية لمثل تلك الموضوعات التي تعالج أحوالنا ، وما قد يقع من خلل في مجتمعاتنا . فمنهم من أراد الحديث عن التكفير وبيان خطورته ، وآخر أراد أن يكون هناك مزيد من البيان لمثل هذه المسائل .

ولعلنا نشرع في حديثنا عن الغلو معالمه ومخاطره ، ونبدأ فيه ببيان معناه ، ثم نؤكد أصالة المنهج في سمة الإسلام وخصائصه .

الغلو في لغة العرب:"مجاوزة الحد"، وكل من غلا فقد تجاوز الحد ، والمعنى الاصطلاحي كما عبّر عنه كثير من العلماء:"المبالغة في الشيء والتشدد فيه بتجاوز الحد"، أي في الأمور الدينية المشروعة ، وألفاظ أخرى تدور في هذا الفلك منها التطرف ، وهو في لغة: العرب أيضاً حد الشيء ، وفي بيان المعنى اللغوي قال كثير من أهل العلم في اللغة أن التطرف هو:"طلب نهاية الحد أي طرفه الأقصى والأبعد ، وهو قريب من معنى الغلو في هذا ، ثم التنطع وأصله من النطع ، وهو:"ملاسة الملمس وهو نطع الفم الذي هو غار الحنك الأعلى لا يظهر إلا إذا رفع الإنسان صوته وتشدق في كلامه وتعمق"فصار - كما قال أهل اللغة - قرينا لكل تنطع وتعمق ، والتشدد أمره معروف وهو:"أخذ الأمور بالشدة وترك الرفق"والعنف كذلك مثله ."

فهذه المعاني تدور كلها على هذه الشدة التي تبلغ حدا يتجاوز الحد ، وكلها متقارب المعنى ، فالغلو وأهله تجمعهم هذه الصفات في جملتها تشدد في الأخذ بالدين وتعمق في أفعاله وأعماله ، وعنف وتشدد في معاملة الآخرين ..

ولكننا قبل أن نمضي في هذا المعنى ، ونفرع في صوره وأشكاله ، أو نذكر معالمه وملامحه نقول سؤالا مهما: تجاوز الحد أي حد هذا الذي يتحدث أهل العلم عن تجاوزه ؟

إنه الحد الشرعي الذي يعتبر الخروج عنه مذموماً سواء كان تجاوزا له وزيادة عليه بالغلو ، أو كان قصورا عنه وتركا له بالجفاء ، ومن هنا نعرف ما قاله أهل العلم أن الدين ضاع بين الجافي عنه والغالي فيه الجافي عنه مفرط في الأخذ به مقصر في التحكم بأحكامه متهاون في التزامه وتطبيقه ، والغالي فيه: زائد عن المشروع فيه متشدد في فهم أصوله الصحيحة ، وقاسٍ وعنيف ، وغير رفيق في معاملة الآخرين بما هو متجاوز للحد المشروع ، فلا هذا مقبول ولا ذاك مقبول ولعله من المهم كثيراً:

أولا: أن نقف على هذا الحد أن نعرف أصل الدين حتى نعرف بعد ذك من يزيد عليه ويغلو فيه أو من يقصر عنه ويجفوه ؛ فإنه لا تتبين الأطراف إلا إذا عرف الأصل ، ولا تعف الغايات في الطرفين إلا إذا عرف الوسط ، ولعلنا معنيون بذلك أكثر لأن فهم الأصل في الدين وحقيقته وسماحته وخصائصه هو الذي يعلنا ندرك تماماً مفهوم الغلو في الدين وفق ما جاء في مصطلح الشرع في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

واعلم أن الحديث قد يطول بنا في هذا ، والناس مازالوا متعلقين بالحديث المباشر عن الغلو أو التكفير . ومرة أخرى أعيد الكرة .. نريد منهجاً سديداً ونريد فكراً رشيداً ، ونريد علماً مؤصلاً لا نريد هيشات فارغة ، ولا حماساً متعجلاً ، ولا معالجة آنية قاصرة .

وفهم الدين في أساسه هو أعظم الأمور ، وليس لنا من حديث في هذا المقام اليوم إلا بيان الأصل والحد المشروع في سماته وخصائصه العامة ليتضح من بعد ما نرجو الله أن يوفق إليه من إكمال الحديث في الغلو ومعالمه ومخاطره .

سمات وخصائص الإسلام التي تتعلق بهذا المعننى في الخروج عنها إلى الغلو أو الجفاء .

السمة الثانية: الوسطية

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا } [ البقرة: من الآية143] .

إنه الوصف الرباني الإلهي لأمة الإسلام والوصف إذا ذكر فله سمات مهمة:

أولها: أنه ظاهر بيّن

إذا أردت أن تصف إنساناً فيمكن أن تصفه صفة خفية لا يعرفها إلا المقربون منه ، ربما نصفه بعرج في رجله أو شيء في عينه يراه الناس ، لكني إن وصفته بشامة أو خالة في داخل جسمه من عسى أن يدركها ؛ فإن قلنا أمة الإسلام أمة الوسط فمعنى أن هذه الصفة ظاهرة بينّة .

وأمر ثان في الصفة: وهو أنها ملازمة دائمة

لا نقول عن إنسان إنه كريم ؛ لأنه أنفق مرة واحدة بل لا نعطيه الصفة إلا إذا كانت ملازمة له ودائمة في سائر أحواله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت