فهرس الكتاب

الصفحة 3428 من 9994

لعمر أبي كما عرف المعلى كريما وفي الدنيا كريم

ولكن البلاد إذا اقشعرت وأصحر نبتها رعي الهشيم

فإذا الوسطية سمة في الإسلام في كل الأحوال .. في السراء والضراء .. في السلم والحرب .. في معاملة الأحباء ومعاملة البغضاء لا يتغير ذلك كما هي الصفة اللازمة الدائمة ، وكما كان سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعاؤه أن يرزقه الله - سبحانه وتعالى - العدل في الرضا والغضب ، والقصد في الغنى والفقر إنه الأمر الدائم ، والسمة اللازمة ، ونحن نعرف أن هذه الوسطية تجمع بين أمرين اثنين لابد من وجودهما في كل معنا من هذه المعاني:

أولا: الخيرية.

وثانيا: البينية الوسطية معنوية وحسية.

فلا يمكن أن يكون الشيء وسطاً إلا إذا كان هو الأفضل والأعدل والأحسن والأكمل ، ومن دلائل هذه الخيرية والعدالة والأفضلية أنه وسط بين ما لا يكون كذلك بين مذموم من الطرفين ، وهذه سمة الإسلام ، وسمة أهله ، وسمة تشريعاته ، وسمة عقائده .. سمة الوسطية أمرها يطول إذا أردنا أن نتحدث عنها ، أو أن نفيض القول في دلائلها ، وحسبنا أن نبرز ذلك في الأمور الظاهرة البينة .

مما كتبه عمر بن عبد العزيز في بعض رسائله لبيان حقيقة الإسلام وصفة مواقف السلف - رضوان الله عليهم - قوله - رحمه الله - في هذا المعنى:"لقد قصر دونهم - أي دون سلف الأمة - أقوام فجفوا ، وطمح عنهم آخرون فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم".

تلك هي الوسطية خير وفضل ينأى ويبتعد عن تساهل وتفريط ، وعدم تعظيم للدين وأخذ به ، ويجتنب كذلك تشدداً ليس من دين الله ، وتجاوزا للحد ليس في شرع الله ، فتكون حينئذ خيرية ووسطية بينية .

ومما قاله ابن القيم في بيان هذا المعنى:"ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجلين ، والهدى بين الضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع ، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد".

واستمع إلى نماذج يسيرة يضيق المقام عن استقصائها:

{ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } [ القصص: من الآية77 ] .

ليس ذماً للدنيا ، وليس غراقاً فيها وتعلقاً بها ، وجعلها مقصد الإنسان الأول والأخير ، والله - سبحانه وتعالى - يقول:

{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [ الأعراف: من الآية32 ] .

وفي موطن آخر التحذير من التعلق بالدنيا وجعلها أوكد الهم وأعظم الشغل:

{ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ } [ الحديد: من الآية20] .

كما بين الله - سبحانه وتعالى - في هذا المثل وجاء في آخر هذه الآية ما يبين لنا ذلك التوازن والتوسط الذي ينبغي أن نأخذ به في مثل هذا المثال .

السمة الثانية: اليسر في دين الله سبحانه وتعالى

وقد جاءت الآيات بينة واضحة في إرادته وقصده ، ووصف الإسلام وتشريعاته به كما قال الحق جل وعلا:

{ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [ البقرة: من الآية185] .

وكما قال الحق - سبحانه وتعالى - في أصل هذا الدين ونعمة الله على البشرية ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم:

{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } [ الأعراف: من الآية157] .

إنها شريعة محمد ترفع الأغلال ، وتضع الإصر والأحمال والأثقال بما جاء به من هذه الشريعة الميسرة ، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن هذا الدين يسر، فأوغل فيه برفق) ، القائل هو أعظم الناس إلتزاماً بهذا الدين ، وأكثرهم أخذاً بشرائعه وعباداته ، ثم يقرر هذه الحقيقة: ( إن هذا الدين يسر فأوغل فيه برفق) .

وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يبين ذلك فغي صفة بعثته ورسالته وهو يقول: (إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا) [ رواه مسلم من حديث عائشة ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت