وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن خير الدين أجاب بقوله ، قال: ( الحنيفية السمحة ) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الإمام أحمد والطبراني بسند رجاله ثقات: ( إن خير دينكم أيسره .. إن خير دينكم أيسره ) ، واليسر المقصود هنا الذي نقل لنا التزامه وتطبيقه في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ، ليس اليسر هو الترخص والتفريط الناشئ عن عجز الناس ، وخور هممهم ، وضعف عزائمهم ، وقلة تعلقهم بأمر الله وثوابه سبحانه وتعالى ؛ فإن ذلك عجز وليس يسراً ، وهذا أمر مهم في كل ما نذكره أن المقياس والمرجع في فهمه وتحديده هو الكتاب والسنة ، والتطبيق العملي في سيرة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم .
وها هو النبي في أمثلة وجيزة - نوردها هنا بحسب المقام - يدلنا على أهمية هذا اليسر والالتزام به فهو يقول: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) ، وكما قال في غير ذلك مثل هذا المعنى ، ولما جاءه الرجل يشكو إطالة إمامهم في الصلاة حتى شق عليهم ، قال صلى الله عليه وسلم: ( أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة ) رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه.
ثم نرى ذلك في صوره المختلفة وتعاملاته المتنوعة ، فعندما بعث معاذا وأبا موسى الأشعري كانت وصيته الأولى لهما: ( يسرا ولا تعسرا، بشرا ولا تنفرا، تطاوعا ولا تختلفا ) وما أعظمها من وصية لكل من يريد أن يصلح الأمة ، أو أن يدعو أبناءها أو أن يحكم بينها ؛ فإنه لابد من تقديم اليسر على العسر ، ولابد من تقديم التبشير على التنفير أو التحذير، ولابد كذلك من المطاوعة لا الاختلاف والمنازعة ، وهذا أمر بيّن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرشد فيه أيضاً إلى آحاد الأفراد في أعمارهم ، فلما رأى حبلاً متدلياً من سارية من سواري المسجد سأل عنه فقالوا:"حبلٌ لزينب تصلي فإذا تعبت تعلقت به"، قال: ( ليصل أحدكم نشاطه فإذا تعب فليرقد ) وهذا رد إلى اليسر ، وذاك الرجل الذي نذر أن يقف في الشمس ، وأن لا يتكلم وأن يحج ماشياً ولا يستظل ، فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس حوله قال: ( ما هذا؟ ) قالوا: رجل نذر كذا وكذا قال: (مروه فليستظل وليركب ؛ فإن الله غني عن تعذيب هذا نفسه ) صورة من صور حماسة النفس أراد بها مثل هذا أن يجعلها وسيلة للتقرب إلى الله ، فنهى النبي عن ذلك ، ورد إلى الأصل والحد المشروع الذي سمته اليسر وهذا أمر بيّن .
وحتى في علاج الأخطاء كان كذلك - عليه الصلاة والسلام - كما روى ابن مسعود فيما صح عند البخاري: أن رجلاً أصاب قبلة من امرأة فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت:
{ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } (هود: من الآية114) .
فقال الرجل: أ هذا لي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ( بل لمن عمل بها من أمتي ) ، ولا يفقهن أحد ذلك أنه ترخيص في ارتكاب الإثم ، أو دعوة إليه ، أو تهوين له في نفوس الناس ، ولكنه إدراك لطبيعة الإنسان وما قد يقع فيه أثناء غفلته أو شهوته وأصل إيمانه داعٍ له للندم والاعتراف فتفتح له ما فتح الله - سبحانه وتعالى - من أبواب المغفرة والرحمة ، وإن كان أمر مما يؤاخذ عليه الشرع بحد أو نحو ذلك أخذه ، ولكنه مع ذلك أصل إيمانه في قلبه يدل على صدقه وإخلاصه في توبته إلى الله سبحانه وتعالى .
ولما جاء رجل من الناس قد شرب الخمر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإقامة الحد عليه قد ارتكب كبيرة وأقيم الحد عليه فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله كما في الرواية ثم قال رجل: أخزاه الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا هذا لا تعينوا عليه الشيطان ) .
السمة الثالثة: السماحة
وهي نوع وأمر يدل على ذلك اليسر ، لكنه يظهر في أصول الأمر والتشريعات كما قال الله سبحانه وتعالى في شأن الأمر الأعظم في حياة الأمة ودورها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله:
{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ النحل: من الآية125] .
سماحة في عرض هذا الدين وفي الدعوة إليه ، وفي البيان له حتى تقتنع به العقول ، وتقبل عليه القلوب ، وتتعلق به النفوس ، وتلتزمه الجوارح ، وتتحرك به لإعلانه ونشره ، والدعوة إليه ، والله - سبحانه وتعالى - يبيّن ذلك في قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون أطغى وأكثر من ذكر الله - عز وجل - من أولئك الذين خرجوا عن أمر الله - سبحانه وتعالى - جاء الأمر إلى موسى وهارون عليهما السلام:
{ فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً } [ طه: من الآية44] .