وهل تذكرنا أيها المسكين ، أيها العبد الضعيف ..وقوفنا بين يدي الجبار في ذلك الموقف الرهيب المخيف الذي فيه ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج:2) وبماذا سنجيب ؟ عندما يسألنا ربنا عن كل صغيرة وكبيرة (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (الكهف: من الآية49)
كيف أنت إذا شهدت عليك العينان واليدان والقدمان والأذنان والفرج واللسان فيما عملت في هذه الدنيا الفانية ، ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يّس:65) وبينما الخلائق في ذلك قد قاسموا من دواهي القيامة وأهواله ما قاسموا وهم وقوف ينتظرون حقيقة أخبارهم ،وتشفيع شفعائهم إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب ، وأطلت عليهم نار ذات لهب ، وسمعوا لها زفيراً وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ والغضب .
(إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) (الفرقان:12) وخرج المنادي من الزبانية قائلاً:أين فلان بن فلان المسرف على نفسه بطول الأمل ، المضيع عمره في سوء العمل فيبادرونه بمقامع من حديد ، ويسوقونه إلى العذاب الشديد وينكسونه على وجهه في قعر الجحيم ، ويقولون له ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (الدخان:49) فأسكنوه داراً ضيقة الأرجاء ، مظلمة المسالك ، مبهمة المهالك، يدعون فيها بالويل والثبور ومالهم من أسّر جهنم فكاك، قد ُشدت أقدامهم إلى النواصي ، وأسودت وجوههم من ظلمة المعاصي ، ينادون من أكنافها ، ويصيحون في نواصيها وأطرافها ، يا مالك قد حق علينا الوعيد يا مالك قد أثقلنا الحديد ، يا مالك قد نضجت منا الجلود ، يا مالك العدم خير من هذا الوجود ، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) (الزخرف:77)
فعند ذلك يقنطون، وعلى ما فرّطوا في جنب الله يتأسفون ، فتصورهم يا أخي والنار من فوقهم، والنار من تحتهم ، والنار عن أيمانهم، والنار عن شمائلهم. لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل.
منهم غرقى في النار ، طعامهم نار ، وشرابهم نار ، ولباسهم نار ، ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ .يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) (الحج:19،20) يتمنون الموت ولا يموتون (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) (إبراهيم: من الآية17) .
اللهم أجرنا من نارك وجنبنا غضب وسخطك ، اللهم ارض عنا اللهم ارض عنا اللهم ارض عنا ، اللهم لا تعذبنا بنارك فإن أجسامنا على النار لا تقوى. واغفر لنا فإن بحاجة إلى رحمتك وعفوك.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى ..
أخي الحبيب: من منا لا يُذنب ؟ ومن منا لا يُخطئ في حق ربه ؟ وهل تظن أن أخطاءنا أمر تفردنا به لم تسبق إليه ؟ كلا . فما كنَّا في يوم من الأيام ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.. ولكن .. نحن بشر معرضون للأخطاء وكل من ترى من عباد الله الصالحين لهم ذنوب وخطايا، فما منا إلا وله ذنوب ومعاصي ، قال حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم:"ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم"
إن هذه الخطايا ما سلمنا منها ولن نسلم فتعال معي ندحر الشيطان باستغفار من القلب على ذنوب مضت ، تعال نجدد التوبة إلى الله عز وجل ،ولتكن توبة صادقة من القلب وليكن دأبنا قول الباري عز وجل (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (لأعراف: من الآية23) وليكن لهجنا ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ) (آل عمران: من الآية135) .
أما أنتم يا من أسرفتم على أنفسكم بالمعاصي والذنوب حتى ظن بعضكم أن الله لا يقبل توبته إذا تاب فإني أقول لكم مهلاً فالباب ما زال مفتوحاً للتائبين إنني أقول لكم جميعاً من قلب محب للخير لكم ولأمثالكم استمع قول إلى الله وهو يناديكم قائلاً ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53)
فيالها من بشارة ما أعظمها وما أسعدها ، بشرى تُساق إليك في الدنيا وتفوز بها في الآخرة ففي الدنيا اطمئنان في القلب وانشراح في الصدر وسعة في الرزق ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) .
وفي الآخرة (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب إن هذا لرزقنا ما له من نفاد )
فيا محب النجاة والفوز بالجنات هذه قوافل التائبين تسير فهل نرى أثار أقدامك مع أقدامهم.
وهذه جموع المنيبين تقبل فهل يا ترى يقبل قليله معهم .
وهذه دموع المستغفرين تراق على وجناتهم فهلا أسبلت من عينك دموعاً تلحقك بركبهم.
اللهم من كان منا مذنبا فأبدل سيئاته حسنات ومن كان منا تائباً فاقبله .
اللهم اغفر ذنوبنا ومعاصينا نحن المذنبون ونحن العاصون سبحانك ما عصيناك استخفافا بنهيك ولا استهتارا بنارك وعذابك ولكن من أنفسنا والشيطان اللهم فقيض لقلوبنا هدية من عندك واغسلها بماء التوبة ونورها بنور الطاعة وبرد اليقين ..
صالح بن عبد الله بن حميد
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
أعداء الإنسان ودورهم في إضلاله - رحمة الله بعباده ولطفه بهم وتوبته عليهم - فضل التوبة وشمولها - أهمية الأعمال الصالحة وأثرها في تكفير السيئات - أثر المصائب في تكفير السيئات - ضرورة المبادرة بالتوبة
الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واستقيموا إليه واستغفروه.
أيها المؤمنون، يحيط بابن آدم أعداء كثير، من شياطين الإنس والجن، يحسنون القبيح، ويقبحون الحسن، ينضم إليهم النفس الأمارة بالسوء، والشيطان، والهوى، يدعونه إلى الشهوات، ويقودونه إلى مهاوي الردى. ينحدر في موبقات الذنوب صغائرها وكبائرها، ينساق في مغريات الحياة، وداعيات الهوى، يصاحب ذلك ضيق وحرج وشعور بالذنب والخطيئة فيوشك أن تنغلق أمامه أبواب الأمل، ويدخل في دائرة اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله.
ولكن الله العليم الحكيم، الرؤوف الرحيم، الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؛ فتح لعباده أبواب التوبة، ودلهم على الاستغفار وجعل لهم من أعمالهم الصالحة كفارات، وفي ابتلاءاتهم مكفرات. بل إنه سبحانه بفضله وكرمه يبدل سيئاتهم حسنات: يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً [النساء:27، 28] .