#حصاد السلام
للشيخ / إبراهيم الدويش
الحمد لله له العزة والجبروت، وله الملك والملكوت، ذي الطول والمن والإحسان، فضّل ديننا على سائر الأديان، أشهد أن لا إله إلا الله أعزنا بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، وأشهد أن محمد نبينا عبده ورسوله، أظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أمة الإسلام: ذكر جبير بن حبة قال: ندبنا عمر بن الخطاب واستعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا بأرض العدو خرج علينا عامل كسرى بأربعين ألف فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم وفي رواية للطبري أن كسرى قال له: إنكم معشر العرب أطول الناس جوعا وأبعد الناس من كل خير وما منعني أن آمر هؤلاء الأساور أن ينتظموكم بالنشاب"أي يقتلوكم"إلا تحسبا لجيفكم. قال المغيرة رضي الله عنه وأرضاه: ما أخطأتم شيء من حقنا نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد نمصّ الجلد والنوى من الجوع، نلبس الوبر والشعر، نعبد الشجر والحجر وبينما نحن كذلك بعث رب السماوات ورب الأرضين تعالى ذكره نبياّ من أنفسنا نعرف أباه وأمه فأمرنا نبينا رسول ربنا صلوات الله عليه أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية، أمرنا نبينا صلوات الله وسلامه عليه عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لن يرى مثله قط، ومن بقي منا ملك رقابكم.
الله أكبر... إنها عزة المسلم والثقة بالله والقوة في الدين والعقيدة، يا أمة الإسلام نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
نعم.. متى ابتغينا العزة من أعدائنا أذلنا الله، متى ابتغينا العزة بأموالنا أذلنا الله، متى ابتغينا العزة بألقابنا أذلنا الله، متى ابتغينا العزة من مجلس الأمن أو هيئة الأمم أو منظمة العدل أذلنا الله، وهل بعد هذه الذلة ذلة؟ وهل بعد هذا الهوان هوان؟
في الوقت الذي ينتظر المستسلمون من راعية السلام وهي تجيّش الجيوش لضرب العراق أن تتنازل أو تجامل ولو بمجرد الكلام لإدانة اليهود وما تفعله بفلسطين إذا بها تبغتهم وتهدي لهم صفعة قوية من صفعات الذل والاستسلام، فبالأمس القريب يتخذ الساسة الأمريكان قرارهم بكل صفاقة وجرأة وبكل سخرية واستهزاء ودون مراعاة لأي أدب سياسي أو مجاملة عربية أو حتى خداع لفظي لتمتص به غضب الشارع العربي بل تعلن وفي وضح النهار وبكل وسائل الإعلام وبعبارة صريحة واضحة أن القدس عاصمة لإسرائيل، هكذا رغم أنوف الملايين ورغم هتوف الغاضبين فالقدس عاصمة لأسرائيل، هكذا أعلنها العم سام لينسف كل مؤتمرات السلام وكل قرارات الذل والاستسلام"قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر"
فماذا ستفعلين يا أمة الإسلام؟ ربما صرخ آلاف الغاضبين"الجهاد ذروة سنام الإسلام"نقول: نعم، ولكن لا بد من وقفة إخوة الإيمان فلا تتعجلوا بل تفكروا وتأملوا وانظروا لأحوال المسلمين وحوقلوا، هل سننتصر والأمة متفرقة في صفّها، منهزمة في داخلها، مختلفة في كلمتها، غارقة في شهواتها، بعيدة عن قرآنها؟ لقد خطط أعداؤنا وبذلوا وفرقوا صفنا وعملوا وأغرقوا أمتنا بالشهوات والفضائيات ومهرجانات الأغنيات فخلا لهم الأمر ونكّلوا
لي فيك بالليل آهات أرددها أواه لو أجدت المحزون أواه
لا تحسبنّي محبّا يشتكي وصبا أهْوِن بما في سبيل الحب ألقاه
أنّى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصا جناحاه
ولو سألتم عباد الله عن المخرج فهو واضح بيّن لا عوج فيه لا يخفى على أحد، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الداء والدواء فقال: ( لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة ليلزمنّكم الله مذلّة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما كنتم عليه) .
إذا هي الشهوات وحب الترف الذي أغرقنا فيه وأصبحنا أسرى لها لا نستطيع حتى فكاك أنفسنا، إنه الهوان وحب الدنيا (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) .
نعم .. حب الدنيا رأس كل خطيئة - كما يقال، الحل ليس في بغض الدنيا أو طلاقها فهذا يبدو مستحيل لكنه في تسخير الدنيا للدين بجعلها مزرعة للآخرة، إنه بالرجوع الصادق لمصدر عزتنا وقوتنا أن نفخر بإسلامنا وعقيدتنا، أن نجعل الإسلام سلوك في أعمالنا ومعاملاتنا في أموالنا وتجارتنا، أن نربي شبابنا على الشجاعة لا على الجشع، وعلى النخوة لا الشهوة، أن نربيهم على الأمل وحب العمل لا على العجز والكسل، وهذا ليس بصعب ولا مستحيل فتاريخنا مليء بالبراهين، وواقعنا يشهد بهذا للجادين وإن أردتم أكبر دليل فهاهم شعب فلسطين.
كيف كانوا في بعدهم وغفلتهم وكيف أصبحوا اليوم في همتهم وعزيمتهم، فالشباب يتنافسون في أن يكون الواحد منهم قنبلة بشرية يتناثر لحمه وعظمه ودمه من أجل دينه وعقيدته، يتسابقون على هذا.