فهرس الكتاب

الصفحة 5897 من 9994

#{فاستقم كما أمرت}

يقول الله (عز وجل) : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ } [*] .

قضية الاستمرار في الامتثال لأمر الله (تعالى) في المنشط والمكره من القضايا الجوهرية في التصور الإسلامي ، ومن القضايا الجوهرية كذلك في بنية التشريع وأدبياته ، وليس أدل على ذلك من وصية الله (تعالى) لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في هذه الآية وفي غيرها بـ (الاستقامة) ، التي هي: (المداومة على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه) .

وقد قام (عليه الصلاة والسلام) بإسداء النصح بلزومها لمن سأله عن قول فصل يصلح به جماع أمره ، حيث جاء في الصحيح: أن سفيان بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: قلت: (يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك ، قال: قل: آمنت بالله ، ثم استقم) [1] .

ولنا مع هذه الآيات المباركة الوقفات التالية:

1-إن في قوله (جل وعلا) { وَلا تَطْغَوْا } ، وقوله: { وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } إشارة واضحة إلى ما يعترض سبيل الاستقامة من ملابسات السرّاء والضرّاء ، وقد أخبرنا ربنا (جل وعلا) أن من طبيعة البسط والتمكن استدعاءَ البغي والطغيان ، حيث قال (سبحانه) : { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ } [الشورى: 27] .

والبغي هو مجاوزة الحد ، وهو يتجسد في صور متعددة: فبغي القوة:

البطش بالضعفاء ، وبغي الجاه والنفوذ: الظلم وأكل الحقوق ، وبغي العلم: اعتماد العالم على ما لديه من شهرة ومكانة ؛ مما يدفعه إلى القول بغير دليل ، ورد أقوال المخالفين من غير حجة ولا برهان ، وطغيان المال: التبذير والإسراف والتوسع الزائد في المتع والمرفهات .

والعارض الثاني للاستقامة على خلاف الأول ، حيث تدفع الطموحات والتطلعات المصلحية والضعف والظروف الصعبة إلى مصانعة الظالمين ومداهنتهم وإشعارهم بالرضا عما هم فيه ، والاستفادة من قوتهم وما لديهم من متاع في تحسين الأحوال وتحقيق المكاسب ... مع أن طبيعة الاستقامة والالتزام في هذه الحال تقتضي المناصحة ، والهجر ، والضغط الأدبي ، والتحذير من التمادي في ذلك ، وهذا كله منافٍ للركون ؛ لكن الشيطان يبرهن دائماً على أنه يملك خبرات مميزة في تزيين الباطل والتلبيس على الخلق ، فهو ينسيهم أحكاماً ومواعظ وأدبيات ومواقف وتجارب ، ويدفع بهم بعيداً عن كل ذلك !

2-إن الاستقامة في التحليل النهائي ليست سوى تمحور المسلم حول مبادئه ومعتقداته ، مهما كلف ذلك من عنت ومشقة ، ومهما ضيع من فرص ومكاسب .

وينبغي أن يكون واضحاً: أن المرء إذا أراد أن يعيش وفق مبادئه ، ورغب إلى جانب ذلك أن يحقق مصالحه إلى الحد الأقصى ، فإنه بذلك يحاول الجمع بين نقيضين ، وسيجد أنه لا بد في بعض المواطن من التضحية بأحدهما حتى يستقيم أمر الآخر .

إن تحقيق المصلحة على حساب المبدأ يُعدّ انتصاراً لشهوة أو مصلحة آنيّة ، أما الانتصار للمبدأ على حساب المصلحة فإنه بمثابة (التربع) على قمة من الشعور بالسعادة والرضا والنصر والحكمة والانسجام والثقة بالنفس ، وقد أثبتت المبادئ أنها قادرة على أن تكرر الانتصار المرة تلو المرة ، كما أثبت الجري خلف الشهوات دون قيد ولا رادع أنه يحقق نوعاً من المتع والمكاسب الآنيّة ، لكنه لا يفتأ أن يرتد على صاحبه بالتدمير الذاتي ، حيث ينمو الظاهر على حساب فساد الباطن ، ويتألّف الشكل على حساب ضمور المضمون !

إن المبدأ أشبه شيء بـ (النظارة) إذا وضعناها على أعيننا ، فإن كل شيء يتلّون بلونها ، فصاحب المبدأ له طريقته الخاصة في الرؤية والإدراك والتقويم ، إنه حين يرى الناس يتسابقون على الاستحواذ على منصب يستغرب من ذلك ، ويترفّع ؛ لأن مبدأه يقول له شيئاً آخر غير ما تقوله الغرائز للآخرين ، وإذا رأى الناس يخبطون في المال الحرام تقززت نفسه ؛ لأنه يعلم ضخامة العقوبة التي تنتظر أولئك ، وإذا أصيب بمصيبة فإنه يتجلد ويصبر ؛ لأنه يرجو المثوبة عليها من الله (تعالى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت