إذا قلّبنا النظر في اهتمامات الناس ومناشطهم اليومية فإن من السهل الوقوف على المحور الذي يعلقون عليه توازنهم العام ، ويدورون بالتالي في فلكه ، وهناك تشاهد من همّه الأكبر النجاح في عمله والمحافظة على سمعته فيه ، كما تشاهد من يتمحور حول المتعة ، فهو يبحث عنها في كل نادٍ وواد ، ومن يتمحور حول المال ، فهو يجوب العالم بحثاً عنه ، ومن يبحث عن السيطرة والنفوذ ، فهو مستعد لأن يفعل أي شيء في سبيل التمكن والتحكم .. وتجد ثلة قليلة بين هذا الطوفان من البشر استهدفت أن تحيا لله ، وأن تبحث عن رضوانه ، ومن ثم: فإنه يمكن تفسير كل أنشطتها ومقاصدها في ضوء هذا المحور ، وهذه الثلة هي التي أُمِر النبيّ - صلى الله عليه وسلم- أن يفصح عن محورها باعتباره رائدها وهاديها: { قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ } [الأنعام: 162 ، 163] .
إن الذين يعلنون الولاء للمبادئ كثيرون ، بل هم أكثر أهل الأرض ، ولكن لا برهان على ذلك لدى أكثرهم ، ويمكن أن يقال: إن لأكثر الناس دينين: ديناً معلَناً وديناً حقيقيّاً ، ودينُ المرء الحقيقي هو الذي يكرِّس حياته من أجله .
إن من طبيعة المبدأ أنه يمد من يتمحور حوله بقوى وإمكانات خارقة وخارجة عن رصيده الفعلي ، ولذا: فإن التضحيات الجليلة لا تصدر إلا عن أصحاب المبادئ والالتزام ، وهم أنفع الناس للناس ؛ لأنهم يثرون الحياة دون أن يسحبوا من رصيدها الحيوي ، إذ إنهم ينتظرون المكافأة في الآخرة .
التمحور حول المبدأ هو الذي يمنح الحياة معنى ، ويجعلها تختلف عن حياة السوائم الذليلة التي تحيا من أجل التكاثر ومجرد البقاء ! !
المبدأ هو الذي يُضفي على تصرفاتنا الانسجام والمنطقية ، ويجعلها واضحة مفهومة .
نحن لا ننكر أن الظروف الصعبة تُوهِن من سيطرة المبدأ على السلوك ، لكن تلك الظروف هي التي تمنحنا العلامة الفارقة بين أناس تشبّعوا بمبادئهم ؛ حتى اختلطت بدمائهم ولحومهم ، وأناس لا تمثل المبادئ بالنسبة لهم أكثر من تكميل شكلي لبشريتهم [2] .
3-لا يماري أحد في أن الإنسان اكتشف في العصر الحديث من الآيات والسنن ما لم يكتشف عشر معشاره في تاريخ البشرية الطويل ، لكن مع هذا فعنصر المخاطرة والإمكانات المفتوحة ما زال قائماً ؛ حيث تتحكم في الظاهرة الواحدة عشرات الألوف من العلاقات التي يصعب معها التنبؤ بنتائج الاجتهادات والأنشطة المختلفة ، ولا سيما في القضايا الكبرى ، كمصائر الأمم والحضارات ، وقضايا التقدم والتخلف ، وما تنطوي عليه من تفاعلات وتغيرات ، وإن الله (جل وعلا) قد ضمن لنا نتائج الاستقامة في الدنيا والآخرة ، فهي بوجه من الوجوه وعلى نحو من الأنحاء لا تكون إلا خيراً ، وإلا في صالح الإنسان ، وقد قال الله (جل وعلا) : { إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [الأعراف: 128] ،
وقوله: { لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } [طه: 132] ، وقوله: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأعراف: 96] .
أما من يسلك دروب المعاصي والفجور ، ويتبع مغريات الأهواء والشهوات فإنه يظل يتوجس خيفة من سوء العاقبة ، لكنه لا يعرف شكل العقوبة ، ولا طريقة نزولها ولا توقيتها ؛ ليكون الشك والغموض والخوف عاجل جزائه ، ومقدمةً للبلاء الذي ينتظره ، ثم تكون الخيبة الكبرى والخسارة العظمى ! !
إن هناك فترة سماحات تطول أو تقصر بين الانحراف وعواقبه وهذا هو الذي جعل الابتلاء تامّاً ، كما أنه هو الذي جرّأ أهل المعاصي على التماري في غيهم ، لكن العاقل الحصيف ينظر دائماً إلى الأمام ويتحسس ما هو آتٍ ، ويضغط على واقعة من أجل السلامة في مستقبله .
4-علينا أن نجمع بين النصوص التي تدل على ضرورة الاستقامة والالتزام بالمنهج الرباني ، والنصوص التي تفيد رفع الحرج والعنت عن هذه الأمة ، من مثل قوله (جل وعلا) : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج: 78] ، وقوله: { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا } [البقرة: 286] ، وقوله: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ } [البقرة: 185] ، وإذا فعلنا ذلك ، فإننا سنفهم من مجموعها أمرين:
الأول: هو ضرورة تزويد المسلمين بثقافة شرعية تتضح فيها حدود الواجبات والمباحات والمحظورات ، بما يشكل خارطة فكرية واضحة لما ينبغي أن يكون عليه سلوك المسلم وعلاقاته .