#التوبة وفضلها
محمد رزق ساطور
الحمد الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، وهو التواب الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فقد استعرضنا في الحلقة الماضية حقيقة التوبة، وذكرنا شيئًا من فضائلها، وفي هذه الحلقة نكمل بعض فضائل التوبة- إن شاء الله تعالى- فنقول:
الحمد الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، وهو التواب الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فقد استعرضنا في الحلقة الماضية حقيقة التوبة، وذكرنا شيئًا من فضائلها، وفي هذه الحلقة نكمل بعض فضائل التوبة- إن شاء الله تعالى- فنقول:
رابعًا: التائب يقبله الله تعالى ويتوب عليه، ولو لم يكن في التوبة إلا أن يسامحه الله ويقبل توبته لكفى ذلك شرفًا وفضلاً، قال جل شأنه: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم {البقرة: 178} .
والمراد قَبِلَ توبتكم حين تبتم عن المحظور الذي ارتكبتموه. {روح المعاني 1-2-65} .
قال الرازي: لأن التوبة من العباد الرجوع إلى الله تعالى بالعبادة، ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان، وأما العفو فهو التجاوز يعني عن المعاصي، فبين الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما جعله ثقيلاً على من قبلنا كقوله تعالى: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم {الأعراف: 157} .
فتوبة الله تعالى دليل الرضا وتوفيق الله تعالى لمن تاب عليهم، فلقد أخبر سبحانه أنه تاب على النبي والمهاجرين والأنصار كرمًا منه سبحانه وفضلاً، فقال لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم.
قال ابن الجوزي: كرر- سبحانه- ذكر التوبة، لأنه ليس في ابتداء الآية ذكر ذنبهم، فقدم ذكر التوبة فضلاً منه، ثم أعاد ذكر التوبة. {زاد المسير لابن الجوزي 3-516} .
وقال القاسمي: اعلم أن الله تعالى لما بين فيما تقدم مراتب الناس في أيام غزوة تبوك، مؤمنهم ومنافقهم، والمنفق لها طوعًا أو كرهًا، والمرغب فيها أو عنها والمتخلف نفاقًا أو كسلاً، وأنبأ عما لحق كلا من الوعد والوعيد، وميز الصادقين عن غيرهم ختم بفرقة منهم كانوا قد تخلفوا ميلاً للدعة وهم صادقون في إيمانهم، ثم ندموا فتابوا وأنابوا، وعلم الله صدق توبتهم فقبلها، ثم أنزل توبتهم في هذه الآية وصدرها بتوبته على رسوله وكبار صحبه جبرًا لقلوبهم وتنويهًا لشأنهم بضمهم مع المقطوع بالرضا عنهم، وبعثًا للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، كل على حسبه، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأنها صفة التوابين والأوابين صفة الأنبياء.
{محاسن التأويل للقاسمي 9-3285}
وقال جل شأنه عن أبينا آدم: وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى {طه: 121، 122} .
فتوبة الله اجتباء وتوفيق لمن تاب الله عليه وتشريف لأن الله تعالى تاب عليهم ليتوبوا ودلهم على التوبة، وقبلهم ليقبلوا عليه ويتوبوا إليه حبًا وطمعًا في فضله جل شأنه، وقال سبحانه: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن {المزمل: 20} .
وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال: يقول ما قاله أبواه: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين {الأعراف: 23} .
وقال موسى عليه السلام: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي {القصص: 16} .
وقال يونس عليه السلام: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين {الأنبياء: 87} .
وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد أنه كان يقول في قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه قال الكلمات اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي، فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم. {تفسير ابن كثير} .
خامسًا: أن الله تعالى يفرح بتوبة عبده، فرحًا يليق بذاته جل وعلا، فهو سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير {الشورى: 11} .
وفرح الله تعالى بتوبة عبده، يدل على فضل التوبة وشرفها ومنزلتها، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً وبه تهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده".
{البخاري 11-105، ومسلم 17-60، 61}