وأول شيء ننبه عليه في هذا الحديث أن المسلم يجب عليه أن يحذر من التعطيل والتمثيل، فإن كلا منهما منزل ذميم ومرتع وخيم ولا ينبغي لأحد أن يشم من نفسه ذلك الأمر الفاسد لأنه يفسد الذوق، ويحرم العبد الفهم والوعي ولا يمكنه أن يذوق طعم الإيمان، بل يعلم أن فرح الله تعالى لا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة بالله وأسمائه وصفاته، وما يليق بعز جلاله سبحانه، وربما كان الأولى بنا طي الكلام في ذلك إلى ما هو اللائق بأفهام بني الزمان وعلومهم وضعف عقولهم عن احتماله، ولكن الله جلت قدرته يسوق هذه البضاعة إلى من يعرف قدرها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
يقول ابن القيم رحمه الله: اعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه، وخلقه لنفسه، وخلق كل شيء له، وخصه عن معرفته ومحبته وإكرامه بما لم يعط غيره، وسخر ما في سماواته وأرضه وما بينهما حتى ملائكته الذين- هم أهل قربه- استخدمهم له، وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته، وظعنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسل إليه رسله، وخاطبه وكلمه منه إليه، واتخذ منهم الخليل والكليم، والأولياء والخواص والأحبار، وجعلهم معدن أسراره ومحل حكمته وموضع محبته، وخلق الجنة والنار لهم، فالخلق والأمر والثواب والعقاب مداره على النوع الإنساني، فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات، وقد خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأظهر فضله على الملائكة، فالمؤمن من نوع الإنسان: خير البرية على الإطلاق، وخيرة خلق الله من العالمين، فإنه خلقه ليتم نعمته عليه، وليتواتر إحسانه إليه، وليخصه من كرامته وفضله بما لم تنله أمنيته، ولم يخطر على باله، ولم يشعر به؛ ليسأله من العطايا والمواهب الظاهرة والباطنة، العاجلة والآجلة، التي لا تنال إلا بمحبته ولا تنال محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه، فاتخذه محبوبًا له، وأعده له أفضل ما يعده محب غني قادر جواد لمحبوبه إذا قدم عليه، وعهد إليه عهدًا تقدم إليه فيه بأوامره ونواهيه، وأعلمه في عهده ما يقربه إليه، ويزيده محبة وكرامة عليه وما يبعده منه ويسخطه عليه، فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة، إذ انقلب آبقًا شاردًا مائلاً عنه إلى عدوه ناسيًا لسيده، منهمكًا في موافقة عدوه وارتكب مساخط مولاه، فهو بذلك استدعى من سيده خلاف ما هو أهله، فبينما هو كذلك عرضت له فكرة فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه، وعلم أنه لا بد له منه، وأن مصيره إليه وعرضه عليه، ففر إلى سيده من بلد عدوه وجدَّ في الهرب حتى وصل إلى بابه، ووضع خده على عتبة بابه وتوسد ثرى أعتابه متذللاً متضرعًا خاشعًا باكيًا آسفًا، يتملق سيده ويسترحمه ويستعطفه ويعتذر إليه قد ألقى بيده إليه واستسلم له وأعطاه قياده وألقى إليه بزمامه، فعلم سيده ما في قلبه فعاد مكان الغضب عليه رضا عنه ومكان الشدة رحمة به وأبدله بالعقوبة عفوًا وبالمنع عطاء وبالمؤاخذة حلمًا، هذا إذا نظرت إلى تعلق الفرح الإلهي بالإحسان والجود والبر، أما إذا لاحظت تعلقه بإلهيته وكونه معبودًا، فذاك مشهد أجل من هذا وأعظم منه، وإنما يشهده خواص المحبين.
{مدارج السالكين 1-230، 237 بتصرف}
سادسًا: أن الله تعالى دعا كل الخلق إلى التوبة فدعا إليه الذين عبدوا المسيح، ومن قال المسيح هو الله، ومن قال هو ثالث ثلاثة، ومن قال عزير ابن الله، ومن قال يد الله مغلولة، ومن قال إن الله فقير ونحن أغنياء، ومن دعا لله الصاحبة والولد، فقال لهم جميعًا: أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم {المائدة: 74} .
قال ابن كثير: وهذا من كرمه وجوده، ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه.
{تفسير ابن كثير 2-81}
ودعا سبحانه إلى التوبة من هو أعظم محادة لله من هؤلاء وهو من قال: أنا ربكم الأعلى {النازعات: 23} ، وقال: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري {القصص: 38} ، فقال الله تعالى لكليمه موسى: اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى {طه: 43، 44} .
وقال أيضًا: أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا يتقون {الشعراء: 10، 11} ، ودعا سبحانه إليها المشركين فقال: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم {التوبة: 5} ، ودعا إليها الكفار فقال جل شأنه: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين {الأنفال: 38} .
ودعا إليها المنافقين فقال سبحانه: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما {النساء: 145، 146} .