فهرس الكتاب

الصفحة 6866 من 9994

#مفهوم التشبه بالكفار

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله, نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه, وسلم تسليماً كثيراً.

أيها المسلمون:

اتقوا الله تعالى، واشكروه على أن جعلكم خير أمة أخرجت للناس، فإن أمة محمدٍ هي خير أمة، وحزبَه هم أعزّ حزب، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (8) سورة المنافقون.

لقد جاء دين الإسلام آمرًا أتباعه بالبعد عن كل ما فيه تقريب من الشرك، وجاء بالنهي عن كل ما فيه مشابهة للمشركين أو مماثلة لهم.

ولقد كان من علامات تميز هذه الأمة عن غيرها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علل كثيرًا من الشرائع والأحكام بمخالفة اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الكفر، مما يدل على أن مخالفة الكافرين مقصد شرعي.

وتأكيدًا لهذه العزة وهذا التميز لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد نهى الله تعالى المؤمنين عن اتباع سبيل الكافرين من اليهود والنصارى والمشركين، وغيرهم من أمم الكفر، فنهى الله أهل الإسلام عن التشبه بالكفار، وعن تقليدهم والتبعية لهم، فقال جل وعلا: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} (48) سورة المائدة. وقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (1) سورة الأحزاب. ولا شك عند أولي الأبصار أن تقليد الكفار والتشبه بهم من أعظم صور الطاعة لهم، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مشابهة الكفار في أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه أبو داود وغيره عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"من تشبه بقوم فهو منهم".

ففي هذا الحديث غاية التحذير ومنتهى التنفير عن مشابهة الكفار.

وقال -صلى الله عليه وسلم- في بيان خطورة التشبه:"ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى".

عباد الله:

إن مفهوم التشبه بالكافرين لا يقتصر على صورة واحدة, أو صوراً محدودة, بل الأمر أكبر من ذلك، فهناك صور وأشكال عديدة للتشبه المذموم الذي يخل بعقيدة الولاء والبراء والذي يؤدي إلى تفسخ الأخلاق, والسير في ركاب أولئك الفجرة وقد يؤدي إلى الخروج عن دين الإسلام في بعض الأحيان والعياذ بالله -تعالى- لما يترتب على ذلك التشبه من الولاء لغير المؤمنين وعدم البراءة منهم, ومن تلك الصور المزرية التي يجب على المسلم اجتنابها والتحذير منها:

-العصبية إلى قوم أو إلى مذهب أو إلى بلد أو قبيلة، وهذه العصبيات البغيضة جعلت المسلمين في هذا الزمن يرفعون لواء القوميات المقيتة والوطنيات الضيقة التي جعلت المسلمين شعوبًا وفرقتهم أممًا، ناهيك عمّن يشمخ بأنف الكبر والخيلاء لأنّه من قبيلة كذا وكذا، يوالي ويعادي على ذلك.

ومن صور التشبه المنتشر في هذا الزمان: تبرج النساء والافتتان بهن، وهذا -وربي- من أفتك الأمراض الخُلُقية التي تبتلى بها الأمم وتنهار بسببها الحضارات، وتبرّجُهن سمة الكفار، قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (33) سورة الأحزاب، والفتنة التي ابتلي بها بنو إسرائيل كانت في النساء, ففي الحديث:"فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".

ولا يخفى على من له أدنى بصر السباقُ المحموم الذي تتسابقه كثير من النساء لهثاً وراء موضات الغرب ركضًا في كشف ما أمرت بستره، رويدًا رويدًا حذو القذة بالقذة.

ومن صور التشبه بالكفار -أيضاً يا عباد الله- الاحتفال والاحتفاء بأعياد الكفار وكذا الأيام والأسابيع التي ابتدعوها، وهي مما تساهل فيه المسلمون، فمن ذلك الاحتفال بالمولد النبوي إلى الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وكذلك الأعياد الوطنية والقومية التي تزداد يومًا بعد يوم بين المسلمين، وكذا أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية, وكذا عيد الحب الذي هو من آخر ما ابتليت به أمة الإسلام، الذي يحتفي به قِطاع من شباب الأمة وفتياتها، يرتدون فيه الملابس الحمراء ويتبادلون الورود الحمراء، سبحان ربي!! تشبّه ظاهر ومعلن، يقول سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} (72) سورة الفرقان, قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: أعياد المشركين"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت